ابنتي ذات الأربعة عشر من قريتنا في ريف الجزائر

ابنتي ذات الأربعة عشر من قريتنا في ريف الجزائر

أطرق برأسه لحظات، كأنه يصارع داخله قرارًا صعبًا. ثم تنهد وقال بصوت خافت: “يا عم… أنا ابن فلان.”
كاد قلبي يتوقف حين نطق بالاسم، فقد كان اسم رجل عرفته منذ أربعين سنة في قريتنا، رجل عزيز كان بيننا عهد لا يُنسى. شهقت وأنا أقول: “أأنت حقًّا ابنه؟!” رفع رأسه والدمع يملأ عينيه وقال: “نعم. لقد حدثني والدي عنك كثيرًا قبل وفاته، قال لي يومًا: إن كتب الله لك أن تلتقي هذا الرجل، فاخدمه كأنك تخدمني. لقد كان له فضل عليّ في شبابي لا أنساه.”

ارتجف صوتي وأنا أهمس: “أأبوك هو ذاك الشاب الذي أنقذني يوم كدتُ أفقد حياتي في الغابة؟”
أومأ برأسه وقال: “نعم، وقد أوصاني بك. حين رأيت اسمك على البطاقة ذلك اليوم في ساحة المستشفى، لم أصدق أنني أقف أمام الرجل نفسه.”

في تلك اللحظة غمرني شعور لم أذق مثله من قبل، خليط من الامتنان والرهبة وذكريات الماضي. دمعت عيناي وأنا أمد يدي إليه: “يا بني، لقد أحييت وصية أبيك، وأحييت معها قلبي.” ابتسم وقال: “بل أنت من أحييت وصية أبي يا عم، وما فعلته ما هو إلا دين أرده.”

بقيت كلماته ترنّ في أذني طوال الليل، وكنت أستعيد تفاصيل تلك المصادفة العجيبة التي ربطت بين عهد قديم وواقع جديد، حتى أيقنت أن ما جرى لم يكن مجرد صدفة، بل خيط خفي من أقدار الله جمع بيننا عبر الزمن.