قاد أوبر ليبقى حيًّا… فركب معه سرٌّ غيّر حياته بعد 28 عامًا

قاد أوبر ليبقى حيًّا… فركب معه سرٌّ غيّر حياته بعد 28 عامًا

انهرتُ.
لا بسبب المال.
ولا بسبب المكانة.
بل لأن قصّتي كلّها أُعيدت كتابتها فجأة.
لم أكن غير مرغوبٍ فيّ.
لم أكن متروكًا.
لقد انتُزِعتُ.
جلسنا هناك طويلًا.
غريبان جمعهما الدم والزمن، متوقّفان تحت ضوء مصباح شارعٍ واهن. اعتذر مرارًا—لأنه لم يجدني أبكر، ولأنه صدّق الأكاذيب، ولحياةٍ لا يمكن استعادتها.
حدّثتُه عن أمّي.
عن قوّتها التي لم تكن تُرى، لكنها كانت تحمينا كل يوم.
عن تعبها الصامت، وعن يديها المتشقّقتين من العمل، وعن ابتسامتها التي كانت تُخفي بها خوفها عليّ.
حدّثتُه عن امرأةٍ حملت وحدها عبئًا لم تختره، ومع ذلك لم تشتكِ، ولم تلعن، ولم تسمح للكراهية أن تجد طريقها إلى قلبها.

حدّثتُه عن أنّها، رغم كل شيء، لم تتحدّث يومًا بسوءٍ عن الرجل الذي ظنّت أنّه تخلّى عنها.
كانت تقول دائمًا: «ربما كان له عذره».
وكأنّها كانت تحمي صورته… حتى في غيابه.
كان يصغي إليّ كأن كلّ كلمةٍ أقولها شيءٌ مقدّس.
لم يقاطعني.
لم يبرّر.
لم يدافع عن نفسه.
كان فقط يسمع… وكأنّه يحاول أن يستعيد، من خلال صوتي، سنواتٍ ضاعت منه إلى الأبد.
لم يعرض عليّ مالًا تلك الليلة.
ولم يتحدّث عن تعويض، أو نفوذ، أو ما يستطيع أن يفعله لي.
عرض شيئًا أكثر هشاشة… وأكثر صدقًا.
قال بصوتٍ خافت:
«لا أريد أن أشتري مكاني في حياتك.
لا أبحث عن غفرانٍ سريع، ولا عن لقب.
أريد فقط… فرصة. فرصة لأتعرّف إليك، إن سمحت.»

كانت تلك الكلمات أثقل من أي شيك، وأصدق من أي وعد.
بدأنا ببطء.
كما يبدأ كلّ شيءٍ حقيقي.
قهوة في مقهى صغير.
عشاء يتخلّله صمت طويل.
حكايات عن الماضي، وأخرى عن ما لم يحدث.
وصمتٌ محرج، لكنه ممتلئ بالمعنى، لا يحتاج إلى تفسير.
ومع مرور الأشهر، تركتُ «أوبر».
لا لأنّه أنقذني، ولا لأن حياتي انقلبت فجأة،
بل لأنه ساعدني على أن أرى نفسي بطريقة مختلفة.
لم أعد شخصًا بلا جذور.
ولا قصة بلا بداية.
صار لي تاريخ… وحقيقة… واسمٌ لا ينتهي عند سؤالٍ واحد.
موّل منحةً دراسية باسم أمّي.
فعل ذلك بهدوء، دون ضجيج، دون صور، دون أن يخبر أحدًا.
وكأنّه كان يردّ لها دينًا تأخّر كثيرًا.

وأحيانًا—في ليالٍ هادئة يثقلها الصمت—أفكّر كم كنتُ قريبًا من رفض تلك الرحلة.
كم كان يسيرًا أن أضغط زرّ الإلغاء دون تردّد، وأن أختار الراحة بدل الفضول، والعادة بدل الاحتمال.
وكم كان ممكنًا أن تمرّ تلك الليلة كغيرها من الليالي التي لا تترك أثرًا… مجرّد أجرةٍ عابرة، ووجهٍ لا أتذكّره عند شروق الصباح.
لكن بعض اللحظات لا تأتي كما نتوقّع.
لا تُرسل إشعارًا مسبقًا،
ولا تطرق الباب باحترام،
ولا تعرّف بنفسها كي نستعدّ لها.
تأتي فجأة، هادئة، متخفّية في تفاصيل عادية،
ثم تنقلب—دون إنذار—إلى نقطة فاصلة بين ما كنّا عليه، وما سنصبحه لاحقًا.
إن بقيت هذه القصة معك،
فلعلّها تذكّرنا بأن اللحظات التي تغيّر مسار الحياة لا تعلن عن نفسها أبدًا.
لا تحمل لافتات، ولا عناوين كبيرة، ولا وعودًا واضحة.
تتسلّل فقط… وتختبر انتباهنا.

أحيانًا تجلس في المقعد الخلفي لسيارةٍ نمضي بها بلا تفكير.
وأحيانًا تراقبنا بصمتٍ طويل، تنتظر أن نلتفت.
وأحيانًا تطرح سؤالًا واحدًا بسيطًا… لكنه يهزّ عمرًا كاملًا، ويفتح أبوابًا كنا نظنّها أُغلقت إلى الأبد.
وأحيانًا—كثيرًا—تأتي ملفوفةً بالدموع،
لا لتكسرنا،
بل لتغسل أعيننا،
وتجبرنا على رؤية الحقيقة بوضوحٍ مؤلم، لكنه صادق.
توقّف لحظة، وفكّر بصدق:
ماذا كنت ستفعل لو سألك غريبٌ سؤالًا بهذه الخصوصية؟
هل كنت ستختبئ خلف الصمت؟
أم ستخاطر بالإجابة، وتسمح لشيءٍ مجهول أن يقترب منك؟
وكم من الحقائق ما تزال هناك—

ضائعة في الزحام،
مؤجَّلة خوفًا،
محبوسة داخل قلوبٍ تعبت من الانتظار—
تنتظر فقط اللحظة المناسبة،
والسؤال المناسب،
وقليلًا من الشجاعة… لتطفو أخيرًا على السطح.
لأنّ السعي للبقاء، في بعض الأحيان،
لا يقودنا فقط إلى النجاة من يومٍ آخر،
ولا يقتصر على دفع الفواتير أو تجاوز الأزمات،
بل يقودنا—دون أن نشعر—إلى المكان الذي خُلقنا لنكون فيه،
إلى الجذور التي فقدناها،
وإلى القصص التي ظننّا أنّها انتهت قبل أن تبدأ.
حتى وإن استغرق الوصول
ثمانيةً وعشرين عامًا.