عاد الأب مبكرًا… فتجمّد حين رأى ما أعاد الحياة إلى قلب ابنتيه
نظر إلى الزهرة مرة أخرى، ثم رفع رأسه نحو ريناتا، وفي عينيه سؤال لا يخص الأبوة فقط، بل الحياة كلها:
— هل تعلّمينني كيف أبقى؟
لم تتردد. لم تُلقِ خطابًا، ولم تُعطه وصفة جاهزة. أومأت فقط، وقالت ببساطة:
— الخطوة الأولى منك. أغلق الهاتف. اجلس. لا تحاول الإصلاح الآن. لا تحاول التعويض. فقط… كن حاضرًا.
كانت الجملة بسيطة، لكنّ تنفيذها كان أصعب مما توقّع.
خلع غابرييل سترته، وأرخى ربطة عنقه التي ظلّت لسنوات رمزًا لسيطرته على كل شيء، وجلس على العشب.
جلس كما لم يجلس منذ زمن، بلا موعد، بلا مكالمة، بلا نظرٍ متكرر إلى الساعة.
مرّت الدقائق ببطء غريب.
في البداية، كان عقله يقفز إلى ما تركه خلفه: ملفات، اجتماعات، قرارات معلّقة.
ثم شيئًا فشيئًا، بدأ صوته الداخلي يهدأ.
ركضت الطفلتان أمامه.
لارا كانت تجمع الزهور بعناية، كأنها تؤدي مهمة مقدّسة.
ولويزا كانت تضحك كلما تعثّرت، ثم تنهض وحدها دون بكاء.
ومع مرور الوقت، اتسعت دائرة الأمان.
اقتربتا دون أن تنتبها.
جلستا على الأرض قربه.
ثم، من غير إعلان، لامست قدم لارا قدمه.
لم تسحبها.
وهو لم يتحرّك.
كانت تلك لحظة صغيرة، لكنها أكبر من كل ما وقّعه من عقود.
حين دخلت ريناتا إلى الداخل لتحضر الماء، ساد صمت خفيف، صمت لا يخيف.
وفيه، اقتربت لويزا ببطء، كما لو كانت تخشى أن ينهار كل شيء إن أسرعت، وهمست بصوتٍ هو الأرقّ في العالم:
— هل ستذهب مرة أخرى؟
لم يردّ فورًا.
لم يشأ أن يكذب، ولم يشأ أن يعد بما لا يستطيع.
انحنى قليلًا ليكون في مستواها، وقال بهدوء:
— سأذهب أحيانًا… نعم. لكنني سأخبرك قبلها. وسأعود. وغدًا سأكون هنا عندما تستيقظين.
لم تكن وعدًا مثاليًا، لكنها كانت صادقة.
وهذا ما احتاجته.
مع نهاية النهار، تلاقت ثلاث أيادٍ — يدان صغيرتان ويد كبيرة — لتصنع باقة غير متناسقة من الزهور.
لم تكن جميلة بمعايير الحدائق، لكنها كانت كاملة بمعايير القلب.
وضعتاها في كأس زجاجي قديم، وقالت لارا:
— هذه لماما.
وحين امتلأ البيت برائحة العشاء، أدرك غابرييل أن هناك أشياء لا تُشترى، ولا تُستعاد بالمال أو النفوذ.
أدرك أن الحياة منحته فرصة نادرة:
أن يبدأ من جديد، لا كشخص ناجح في نظر العالم، بل كأب حاضر في نظر ابنتيه.
وفي تلك الليلة، بعدما نامت الطفلتان، جلس وحده في الصالة.
لم يشعر بالفراغ كما كان من قبل.
شعر بمسؤولية هادئة، ثقيلة، لكنها جميلة.
مسؤولية أن يبقى.
وفي داخله، دون أن ينطق، ردّد معنى لم يتعلّمه في الجامعات ولا في قاعات الاجتماعات:
أن بعض الجراح لا تلتئم بالهروب،
وأن بعض القلوب لا تُفتح إلا بالصبر،
وأن الله، حين يعد، لا يعد بالألم الدائم، بل بالقدرة على احتماله ثم تجاوزه.
وإن كنت تؤمن أن لا ألم أعظم من الوعد الذي يزرعه الله في القلوب،
فقل في نفسك، بطمأنينة صادقة:
أنا أؤمن.

تعليقات