قالت حماتي: «سنأخذ شقّتها ثم نُدخلها المصح»… لكنّها لم تتوقّع ما فعلتُه يوم الزفاف
أخرجتُ الملفّ. سرت همهمةٌ في الكنيسة كالموج. شحب وجه دانيال. وقفت كارمن فجأة.
تابعتُ:
«قبل أن أتزوّج هذا الرجل، يجب على الجميع أن يسمعوا حقيقته».
ثمّ ضغطتُ زرّ التشغيل.
تردّدت التسجيلات في أرجاء الكنيسة بوضوحٍ قاسٍ. صوت كارمن البارد المتحكّم. صوت دانيال المتواطئ. كلّ كلمةٍ عن الشقّة، والمال، والمصحّ. تجمّد الناس في أماكنهم. وضع بعضهم أيديهم على أفواههم، وحدّق آخرون في دانيال برعب.
صرخت كارمن:
«هذا كذب! إنّها تلاعبت بكلّ شيء!»
لكنّه كان قد فات الأوان فعلًا. ظهرت إيزابيل من أحد المقاعد الأمامية، وخطت بثبات نحو المذبح، مرفوعة الرأس، ملامحها هادئة لكنّها حاسمة. أخرجت بطاقتها المهنية ببطء، كأنّها تمنح الجميع لحظة ليدركوا أنّ ما يحدث ليس انفعالًا عابرًا، بل إجراءً محسوبًا.
قالت بصوتٍ واضح لا يرتجف:
«أنا إيزابيل رودريغيث، محامية لورا مارتينيز. كلّ ما عُرض هنا موثّق قانونيًا، وقد جرى تسليمه رسميًا إلى النيابة العامة، بما في ذلك التسجيلات، والمراسلات، ومحاولات الاستيلاء على الممتلكات، وخطط الإيذاء النفسي».
ساد صمت ثقيل، صمت لم تقطعه حتى أنفاس الحاضرين. انهار دانيال على أحد المقاعد كأنّ قوّته استُنزفت دفعة واحدة، انحنى ظهره، وتجنّب النظر إلى أيّ شخص. لم يعد العريس الواثق، بل رجلًا منكشفًا، عاري الحقيقة. أمّا كارمن، فكانت تحدّق حولها بجنون، تحاول أن تجد وجهًا واحدًا متعاطفًا، لكنّ العيون التي التقت بها كانت مزيجًا من الصدمة والاشمئزاز.
أغلق الكاهن كتابه بهدوء، ولم ينطق بكلمة. لم يكن هناك ما يُقال. في تلك اللحظة، شعرتُ بسكينة غريبة، عميقة، كأنّ ثقلًا هائلًا كان جاثمًا على صدري قد انزاح أخيرًا. تنفّست بعمق، لأول مرة منذ أسابيع، وربما منذ شهور، دون خوف، دون تردّد.
في اليوم نفسه، ألغيتُ الزفاف رسميًا، وألغيتُ كلّ التوكيلات، ومنعتُ دانيال قانونيًا من الوصول إلى أيّ حساب أو ممتلكات تخصّني، وقدّمتُ طلب أمرٍ تقييدي يمنعه من الاقتراب منّي أو التواصل معي بأيّ وسيلة. لم أشعر بالانكسار، بل بالقوّة. قوّة القرار الذي تأخّر قليلًا، لكنّه جاء في الوقت الحاسم.
بعد أسابيع، وصلني خبر فتح تحقيق رسمي مع كارمن في قضايا احتيال مشابهة، ضحايا أخريات، سيناريوهات متقاربة، وثقة تُستغلّ بالطريقة نفسها. عندها فقط أدركت أنّني لم أنقذ نفسي وحدي، بل ربما أوقفت سلسلة طويلة من الأذى.
احتفظتُ بشقّتي، وبعملي، وبحياتي التي حاولوا مصادرتها باسم الحبّ والزواج. لكنّ الأهمّ من كلّ ذلك أنّني احتفظتُ بكرامتي، وبقدرتي على الوقوف مجددًا دون شعور بالعار أو الندم.
لم يكن ترميم نفسيّتي أمرًا سهلًا. فالخيانة حين تأتي من أقرب الناس تترك ندوبًا صامتة. احتجتُ وقتًا طويلًا لأثق مجددًا، ولأفرّق بين الحذر والخوف، وبين الوعي والشكّ المرضي. لكنّني خرجت من التجربة بدرسٍ لا يُقدّر بثمن: الإصغاء إلى حدسك ليس ضعفًا، بل شجاعة. والصمت عن الإشارات الأولى قد يكون أخطر من المواجهة.
أروي هذه القصّة اليوم لا بدافع الانتقام، ولا طلبًا للتعاطف، بل بدافع التوعية. لأنّ هناك كثيرين يعيشون علاقاتٍ يختبئون فيها خلف الحبّ، بينما تُحاك ضدّهم خطط لا تخطر على البال. ولأنّ الثقة العمياء، حين لا يرافقها وعي، قد تتحوّل إلى فخّ.
إن كانت هذه القصّة قد حرّكت داخلك سؤالًا، أو أيقظت شكًّا كنت تتجاهله، فلا تتردّد. شاركها مع غيرك. قد تكون سببًا في إنقاذ شخصٍ ما قبل أن يصل إلى النقطة التي كدتُ أصل إليها.
وأخبروني:
ماذا كنتم ستفعلون لو كنتم مكاني؟
قد يكون رأيكم كلمة نور لشخصٍ يمرّ الآن بتجربةٍ مشابهة، ولا يزال متردّدًا بين الخوف والحقيقة.

تعليقات