ابني قال لي: راقبي أباك… وبعد ساعات اكتشفت حياةً سرّية لم أتخيّلها
كان زوجي قد قبّل طفلنا وقبّلني مودّعًا، وقال إنّه مضطرّ للمغادرة باكرًا في رحلة عمل. قدتُ السيارة بنفسي وأوصلته إلى المطار؛ كان كلّ شيء يبدو طبيعيًّا تمامًا… إلى أن شدّ ابني ذو الخمس سنوات كمّ قميصي وهمس بصوتٍ خافت:
«ماما… راقبي أبي».
انقبض قلبي قليلًا. بقيتُ في موقف السيارات، وعيناي مثبتتان على المدخل. وبعد دقائق قليلة، وبدلًا من أن يتّجه نحو بوّابات المغادرة، خرج مباشرة إلى الخارج واستقلّ سيارة أجرة. تبعته بهدوء.
وعندما توقّفت سيارة الأجرة، كان ما رأيتُه كفيلًا بأن يُجمّد الدم في عروقي.
كان زوجي، دانيال كارتر، قد قبّل ابننا نوحًا، البالغ من العمر خمس سنوات، على جبينه، ثمّ انحنى ليقبّلني قبلةً خفيفة على خدّي. كانت تفوح منه رائحته المعتادة—نظيفة، مألوفة، تبعث على الطمأنينة.
قال وهو يُعدّل حزام حقيبته اليدوية:
«سأعود مساء الجمعة. مؤتمر في دنفر… أمور مملّة».
ابتسمتُ، بل مازحته بأنّه سيشتاق أخيرًا إلى طعامي. بدا كلّ شيء عاديًّا… عاديًّا أكثر من اللازم.
قدتُ السيارة إلى المطار كما أفعل دائمًا. كانت أشعّة الصباح تنعكس على الجدران الزجاجية للمبنى، والمسافرون يهرعون في كلّ اتجاه. شكرني دانيال مرّة أخرى، ضغط على يدي، ثمّ دخل دون أن يلتفت خلفه.
وبينما كنتُ على وشك تشغيل المحرّك، شدّ نوح كمّ قميصي من المقعد الخلفي. كان صوته بالكاد يُسمع.
«ماما… راقبي أبي».
التفتُّ إليه بدهشة.
«ماذا تقصد يا حبيبي؟»
هزّ كتفيه، وعيناه مثبتتان على مدخل المطار.
«لا أدري… فقط راقبيه».
الأطفال يقولون أشياء غريبة، أعرف ذلك. لكن نبرته—الهادئة، الجادّة—جعلت صدري يضيق. طلبتُ منه أن يربط حزامه وينتظر. ولم أُدِر المحرّك.
ظللتُ أراقب الأبواب الأوتوماتيكية.
مرّت دقائق. ثمّ ظهر دانيال مرّة أخرى.
تسارع نبضي—ظننتُ أنّه نسي شيئًا. لكنّه لم يتّجه نحو الداخل، بل خرج مباشرة، ألقى نظرة سريعة حوله، ثمّ ركب سيارة أجرة صفراء كانت تنتظر قرب الرصيف.
شعرتُ بيديّ ترتجفان.
دون تفكير، خرجتُ من موقف السيارات وتبعته من مسافة. لم تتّجه السيارة نحو حيّنا، ولا نحو أيّ طريق منطقي. كانت تسير عبر المدينة، مبتعدةً عن المطار، مبتعدةً عن أيّ شيء يبدو معقولًا.
بعد نحو عشرين دقيقة، توقّفت أمام منزلٍ متواضع في أحد الأحياء السكنية. نوافذه ذات مصاريع زرقاء، وحديقته مشذّبة بعناية، وبجوار المدخل درّاجة طفل ملقاة على جانبها.
نزل دانيال من السيارة.
ثمّ فُتح باب المنزل.
وقفت امرأة شابّة، شقراء، وبجوارها طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها ثلاث سنوات.
اندفعت الطفلة مباشرةً نحو زوجي.
حملها دانيال بسهولة، ضاحكًا، يقبّل شعرها كما لو أنّ الأمر هو الشيء الأكثر طبيعيّة في العالم.
وفي تلك اللحظة… شعرتُ وكأنّ الدم قد تجمّد في عروقي.
أوقفتُ السيارة في الجهة المقابلة من الشارع، وأمسكتُ المقود بقوّة حتى آلمتني أصابعي. كان نوح ما يزال في المقعد الخلفي، صامتًا، يشعر أنّ شيئًا ما ليس على ما يرام. دعوتُ الله ألّا يكون قادرًا على الرؤية بوضوح عبر الزجاج الأمامي.
حمل دانيال الطفلة إلى الداخل. وتبعته المرأة الشقراء، واضعةً يدها على ظهره للحظةٍ كانت حميميّةً أكثر ممّا يمكن إساءة فهمه.
اندفعت في ذهني أعذارٌ كثيرة—أقارب، زملاء عمل، سوء فهم غريب—لكنّ أيًّا منها لم يفسّر الطريقة التي تشبّثت بها تلك الطفلة به، ولا الطريقة التي قبّلها بها كأب.
بعد دقائق قليلة، أخبرتُ نوحًا أنّنا سنزور صديقةً لي. كنتُ بحاجةٍ إلى أن يبقى هادئًا، آمنًا. قدتُ السيارة إلى نهاية الشارع، أوقفتها، وتركته بداخلها ومعه هاتفي، وأعطيته تعليمات صارمة ألّا يفتح الأبواب.
ثمّ عدتُ سيرًا على الأقدام.
لم أطرق الباب. ضغطتُ على الجرس.
فتحت المرأة الباب، وبدا الاندهاش واضحًا على وجهها.
«نعم؟»
أجبرتُ نفسي على ابتسامةٍ مهذّبة.
«أبحث عن دانيال كارتر».
شحب وجهها.
وقبل أن تنطق، ظهر دانيال خلفها. وحين رآني، اختفى اللون من وجهه تمامًا.
همس: «إميلي… ماذا تفعلين هنا؟»
ضحكتُ ضحكةً حادّةً مكسورة.
«أظنّ أنّني أنا من يجب أن يسأل هذا السؤال».
أطلت الطفلة الصغيرة برأسها من خلف ساقه.
«بابا؟» قالت بصوتٍ خافت.
كانت الكلمة أشدّ وقعًا عليّ من أيّ صفعة.
لكن ما اكتشفته بعد أن نطقت الطفلة بتلك الكلمة… كان أخطر وأقسى مما تخيّلته، وجعلني أدرك أن ما رأيته ليس سوى بداية الحقيقة.
⬅️ تابع باقي القصة في الصفحة التالية (2)

تعليقات