طفل جائع دخل حفل زفاف… فتوقّف العرس عندما تعرّف على أمّه

طفل جائع دخل حفل زفاف… فتوقّف العرس عندما تعرّف على أمّه

كان اسم الصبي كاي مورينو، وكان في العاشرة من عمره حين وصلت إليه الحقيقة أخيرًا.
لم يكن لدى كاي أي ذكرى عن والدين، ولا صورة يحتفظ بها في جيبه، ولا حكايات قبل النوم تُروى بصوتٍ مألوف.
أقدم ما كان يذكره لم يكن وجهًا، بل إحساس الماء البارد وهو يتلاطم داخل وعاءٍ بلاستيكي، وصوت المطر وهو يضرب الإسمنت تحت جسرٍ على أطراف مدينة سان أنطونيو.
كان في نحو الثانية من عمره حين عثر عليه رجلٌ مُسنّ مشرّد يُدعى والتر بون، بعد عاصفةٍ عنيفة أغرقت المنطقة، وكان الطفل داخل حوض غسيلٍ متشقّق عالق قرب قناة تصريف.
لم يكن كاي قادرًا على الكلام آنذاك، ولا يكاد يستطيع تحريك ساقيه. لم يفعل سوى البكاء مرارًا وتكرارًا، حتى بُحّ صوته وتحوّل البكاء إلى أنفاسٍ متقطّعة ضعيفة.
كان حول معصمه سوارٌ أحمر باهت، خشن الملمس، مربوط على نحوٍ مرتخٍ، وتحت السوار ورقة صغيرة مطويّة من دفتر، مبتلّة ومطموسة، بالكاد تُقرأ كلماتها:
«أرجوكم، إن استطعتم، احموا هذا الطفل. اسمه كاي».
لم يكن لدى والتر بون ما يقدّمه سوى ما عجز العالم عن انتزاعه منه. لم يكن يملك بيتًا، ولا مدّخرات، ولا عائلة تنتظره في مكانٍ دافئ.
كان ما يملكه ركبتين متعبتين، ويدين مثخنتين بالندوب، وقلبًا عنيدًا لم ينسَ كيف يعتني بغيره.

لفّ الطفل بمعطفه، وحمله إلى المكان الذي كان ينام فيه تحت الجسر، ومنذ تلك الليلة صار والتر عالم كاي كلّه.
عاشا على السندويشات المتبرَّع بها، وعلى الحساء القادم من مطابخ الكنائس، وعلى لفتاتٍ صغيرة من الرحمة لا يمنحها الناس إلا حين يظنون أن أحدًا لا يراهم.
علّم والتر كاي كيف يمشي، وكيف يتكلم، وكيف يقرأ، مستخدمًا صحفًا مهملة وكتب مكتباتٍ قديمة.
وفي الليالي، حين كانت حركة المرور تصمّ الآذان فوق رأسيهما، كان والتر يحكي له عن التسامح، وعن الرحمة، وعن الألم الذي قد يُقوّس الإنسان لكنه لا يجب أن يكسره.
وكان يقول له كثيرًا بصوتٍ أجشّ لكنه ثابت:
«حين تكبر، وإن التقيت يومًا المرأة التي أنجبتك، عليك أن تسامحها. لا أحد يترك طفله دون أن ينزف من الداخل».

وكان كاي يصدّقه.
كبر بين عربات الطعام، والأسواق الشعبية، والأرصفة المتشققة، وليالٍ طويلة يتسلل فيها البرد إلى العظام. لم يعرف يومًا شكل أمّه.
كل ما قاله له والتر إنّه حين وجده، كانت هناك لطخة أحمر شفاه على الورقة، وخصلة شعرٍ داكنة عالقة بعقدة السوار.
وكان والتر يكرر دائمًا أنها لا بدّ كانت صغيرة في السن، خائفة، وربما وحيدة.
حين بلغ كاي التاسعة، مرض والتر. اشتدّ سعاله حتى صار التنفّس نفسه عقابًا. نُقل إلى مستشفى حكومي، وبقي كاي وحيدًا أكثر من أي وقتٍ مضى، يتسوّل عند التقاطعات، حاملاً لافتاتٍ كرتونية ترتجف بين يديه.
في أحد الأيام، وهو واهن من الجوع، سمع الناس يتحدثون عن حفل زفاف.

لم يكن زفافًا عاديًا، بل احتفالًا ضخمًا إلى درجة أُعيد فيها توجيه المرور قرب قصرٍ تاريخي شمال المدينة. وكان الناس يقولون إن الطعام سيكون وفيرًا… بلا حدود.
وبمعدة تحترق شفاهه عطشًا، تبع كاي صوت الموسيقى حتى بلغ البوابة الحديدية.
في الداخل، امتدّت الخيام البيضاء فوق حدائق مُشذّبة، وطاولات مثقلة بالطعام، وكؤوس تلمع تحت
الشمس.
وقف على الهامش، مترددًا، صغيرًا، كأنه غير مرئي.
لاحظته عاملة مطبخ، فترددت لحظة، ثم دفعت إليه طبقًا دافئًا وهمست:
«اجلس خلف خيمة التموين وكل بسرعة… ولا تدع رجال الأمن يرونك».

شكرها كاي بكل الجدية التي يملكها طفل، وأكل ببطء وحذر، كأنه يخشى أن يختفي الطعام إن أسرع.
كان يراقب الاحتفال من بعيد: الضحكات، البدلات الرسمية، الفساتين التي تتلألأ كأنها من حياةٍ أخرى.
وتساءل في سرّه إن كانت أمّه تعيش هكذا، أم أنها ما تزال في مكانٍ باردٍ وجائع مثله.
ثم تغيّرت الموسيقى، وساد صمت. وقف الضيوف، والتفتت الرؤوس نحو الدرج الحجري المزيّن بالزهور.
ظهرت العروس.
كانت متألقة، بثوبٍ أبيض، وشعرها الداكن ينسدل برفق على كتفيها، وابتسامة هادئة واثقة على وجهها. تنهد الضيوف إعجابًا.
توقّف كاي عن التنفّس.
ليس لجمالها… بل للسوار في معصمها.
باقي القصة في الصفحة التالية رقم 2👇