طفل جائع دخل حفل زفاف… فتوقّف العرس عندما تعرّف على أمّه
خيطٌ أحمر. مهترئ. متآكل. معقود بالطريقة نفسها غير المتقنة.
ارتجفت يداه، ودقّ قلبه بقوة حتى ظنّ أن الجميع يسمعه. تقدّم خطوة، ثم أخرى، ثم ثالثة، كأن قوةً خفيّة تسحبه.
قال بصوتٍ مكسور:
«سيدتي… هذا السوار الذي في معصمك… من أين حصلتِ عليه؟»
ابتلع الصمت القاعة. استمرت الموسيقى، لكن أحدًا لم ينتبه.
نظرت العروس إلى معصمها، ثم رفعت عينيها ببطء إلى الصبي الواقف أمامها.
تلاقت نظراتهما.
شهقت.
وسقطت على ركبتيها، وانفرط نَفَسها، وقالت بصوتٍ مرتجف:
«ما اسمك؟»
همس:
«كاي… اسمي كاي».
سقط الميكروفون من يد المأذون وارتطم بالأرض. سرت همهمات بين الحضور.
تقدّم العريس، وعلى وجهه ارتباك واضح:
«ما الذي يحدث؟»
انهارت العروس باكية:
«كنت في التاسعة عشرة. كنت وحدي. بلا مساعدة. ظننت أن تركه هو الطريقة الوحيدة ليعيش. لم أتوقف يومًا عن التفكير فيه. احتفظت بالسوار لأنني لم أستطع الاحتفاظ به».
شدّت كاي إلى صدرها كأنها تخشى أن يضيع مرة أخرى:
«سامحني… أرجوك سامحني».
تشبّث بها كاي، وابتلت دموعه بثوبها الأبيض:
«والتر قال لي ألا أكرهك. كنت فقط أريد أن أجدك».
وقف العريس صامتًا لحظة طويلة، ثم جثا بجوارهما، ووضع يده على كتف كاي، وقال بلطف:
«هل ترغب في البقاء؟ هل ترغب في أن تأكل معنا؟»
هزّ كاي رأسه:
«أريد فقط أمّي».
ابتسم الرجل، وانكسرت دموعه:
«إذًا لديك واحدة الآن. وإن سمحت لي… سيكون لك أب أيضًا».
نظرت إليه العروس مذهولة، وكأنها تسمع الكلمات للمرة الأولى في حياتها. كانت عيناها ممتلئتين بالذنب والخوف، وقالت بصوتٍ مكسور يكاد لا يُسمع:
«ألن تغضب؟»
ابتسم العريس ابتسامة هادئة، تلك الابتسامة التي لا تُقال فيها الكلمات بقدر ما تُقال فيها الطمأنينة. انحنى قليلًا حتى صار في مستوى نظرها، وقال بصوتٍ ثابت:
«لم أتزوّج ماضيك… بل تزوّجت قلبك. وما القلب إلا بما يحتمل من ألمٍ وحب».
ساد صمتٌ ثقيل، صمتٌ لم يكن فراغًا، بل امتلاءً بالمشاعر. ثم بدأ التصفيق، لا دفعةً واحدة، بل كأنه موجةٌ بطيئة. يدٌ تصفّق، ثم أخرى، ثم امتلأت القاعة بأصواتٍ مرتجفة، بعضها مختنق بالبكاء، وبعضها يصفّق وهو يمسح دموعه.
لم يكن تصفيق مجاملة، ولا احترامًا لبروتوكول حفل زفاف.
كان اعترافًا جماعيًا بأن الجميع شهدوا لحظة إنسانية نادرة، لحظة تُعاد فيها كتابة المصير أمام العيون.
تقدّم بعض الضيوف دون وعي، وآخرون وضعوا أيديهم على أفواههم، وارتفعت شهقات مكتومة، بينما احتضنت العروس طفلها كأنها تعوّض في تلك اللحظة كل السنوات التي سُرقت منهما.
ذلك الزفاف، الذي خُطط له ليكون استعراضًا للفخامة والثراء، توقّف عن كونه مناسبة اجتماعية. لم يعد أحد يتذكّر الزهور، ولا المائدة، ولا الموسيقى. صار حكاية عودة، وحكاية غفران، وحكاية طفلٍ كان ضائعًا في العالم… وعاد إلى بيته أخيرًا.
أما كاي، فكان واقفًا بين ذراعي أمّه، يسمع دقّات قلبها للمرة الأولى. لم يكن بحاجة إلى كلمات، ولا إلى تفسير. كان ذلك الصوت وحده كافيًا ليُغلق فراغ عشر سنوات.
وفي مكانٍ آخر، بعيد عن الأضواء والزهور، كان والتر بون مستلقيًا على سريرٍ أبيض في مستشفى حكومي. تنفّسه كان هادئًا على غير عادته، وكأن ثقلًا قد أزيح عن صدره دون أن يعرف السبب.
نام تلك الليلة بسلامٍ عميق، دون أن يعلم أن الطفل الذي التقطه يومًا من بين الماء والبرد، قد وجد أخيرًا ما كان يدعو له دائمًا:
أمًّا…
وبيتًا…
وحياةً لم تبدأ تحت جسر، بل انتهت في حضنٍ مفتوح.
وكان ذلك، دون أن يدري، أعظم ما يمكن أن يقدّمه رجلٌ للعالم

تعليقات