حين كُسر الصمت أخيرًا: قصّة بيتٍ سُلب، وعدالةٍ تأخّرت
تلك الجملة ظلّت ترنّ في رأسي طويلًا. لأنها لم تكن موجّهة إليها وحدها، بل إليّ أنا أيضًا، وإلى كلّ من تعلّم أن يقبل بما يُفرض عليه خوفًا من خسارة العائلة أو كسر الصورة.
في تلك الليلة، حين أغلقتُ باب المنزل خلفي، شعرتُ بشيءٍ غريب. لم يكن فرحًا، ولم يكن انتصارًا. كان أشبه بتعبٍ عميق خرج من صدري دفعةً واحدة. نمتُ للمرّة الأولى منذ أشهر تحت سقفٍ أعلم يقينًا أنّه لي، لا منّة فيه ولا خوف من أن يُسحب في أيّ لحظة. لم أحتفل، ولم أبكِ. كنتُ منهكة جسديًا ونفسيًا، وكأنّ كلّ ما مررتُ به طالبني أخيرًا بثمنه دفعة واحدة.
لم تنتهِ الأمور عند ذلك الحدّ. استمرّت الإجراءات القانونيّة، وجاءت العواقب. لم تكن عقوبات جنائيّة قاسية، لكنها كانت كافية لتعيد ترتيب الموازين. واجهت أمّي وعمّتي تبعات ما فعلتاه، ماليًا واجتماعيًا. لم يعد بإمكانهما التصرّف كما في السابق، ولم يعد اسم “العائلة” مظلّة تحمي كلّ قرار. قطع جدّي عنهما كلّ أشكال الدعم المالي، لا بدافع الانتقام أو التشفي، بل لأنه أدرك أخيرًا أنّ المساعدة بلا حدود قد تتحوّل إلى أداة أذى.
أمّا أنا، فقد بدأت من جديد، ببطءٍ وحذر. حصلتُ على عمل متواضع، وبدأتُ بترميم المنزل خطوةً خطوة. كنتُ أُصلح الجدران كما لو أنّني أُصلح داخلي. كلّ غرفة أعيد ترتيبها كانت تشبه مساحة أستعيد فيها نفسي. لم أكن أحمل حقدًا، لأنّ الحقد عبء آخر لا أريده، لكنني لم أنسَ. النسيان السريع قد يكون ظلمًا جديدًا للنفس.
تعلّمتُ أنّ العائلة، رغم قدسيّتها، ليست دائمًا ملاذًا آمنًا. وأنّ القرب لا يبرّر الاستغلال، وأنّ الحبّ الحقيقي لا يُبنى على طلب التضحية من طرفٍ واحد دائمًا. تعلّمتُ أنّ وضع الحدود ليس قسوة، بل احترام للذات، وأنّ قول “لا” في الوقت المناسب قد يكون أول خطوة في طريق الكرامة.
تحدّثتُ مع جدّي طويلًا في تلك الفترة. جلسنا أكثر من مرّة نتحدّث عمّا حدث، عمّا رآه وعمّا لم يره في الوقت المناسب. اعتذر لي لأنه لم ينتبه مبكرًا، ولأنه افترض أنّ الأمور تسير على ما يرام لمجرّد أنّ الصمت كان سيّد الموقف. شكرته أنا، لا على المال ولا على المنزل، بل على الحقيقة، لأنّ الحقيقة، مهما كانت موجعة، أفضل من أمانٍ زائف.
ومع مرور الوقت، أدركتُ أنّ قصّتي ليست قصّة ثراء أو نزاع على ممتلكات. هي قصّة عدالة تأخّرت قليلًا، وكرامة كادت تُهدر باسم العائلة، وصمتٍ كُسر في اللحظة الأخيرة قبل أن يتحوّل إلى عادة دائمة.
واليوم، وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أكتب لأدين أحدًا، ولا لأطلب تعاطفًا. أكتب لأنّ هناك كثيرين يعيشون ما عشته، ويظنّون أنّهم لا يستحقّون أكثر مما لديهم، أو أنّ اعتراضهم خيانة، أو أنّ صبرهم واجب لا خيار.
لهذا أسألك أنت:
ماذا كنت ستفعل لو كنتَ في مكاني؟
هل كنت ستصمت حفاظًا على الروابط؟
أم كنت ستدافع عن حقّك ولو كلّفك ذلك مواجهة مؤلمة؟
وهل تعتقد حقًّا أنّ العائلة تبرّر أيّ قرار، مهما كان ظالمًا؟
إجابتك قد تكون مجرّد كلمات، لكنها قد تصل إلى شخصٍ يقرأ الآن ويظنّ أنّه لا يستحقّ شيئًا أفضل.
اكتبها… فقد تكون بداية شجاعةٍ لم يولد بعد.

تعليقات