تركتُ مصيدة على الطاولة وخرجت… وكانت تلك أوّل مرّة لا أدفع الثمن

تركتُ مصيدة على الطاولة وخرجت… وكانت تلك أوّل مرّة لا أدفع الثمن

أشار بيده إشارةً غامضة نحو الملفّ:
«الفاتورة. هل يمكنكِ أن…؟»
«أن أدفع؟» أكملتُ عنه.
سقط الصمت على الطاولة كصحنٍ تحطّم. توقّفت ديان في منتصف لقمتها.
قالت بحدّة:
«بالطبع ستدفعين. لن تُحرجي ريان أمام الجميع.»
وضعتُ الكأس، وفتحتُ حقيبتي، وأخرجتُ المرآة، وأصلحتُ أحمر شفاهي—ببطء، ودون استعجال—ثم وضعتُ مصيدة الفئران على الطاولة بجانب الفاتورة.
طَقّ.
شقّت فرقعة معدنيّة جافّة أجواء القاعة. ضحك أحدهم بارتباك. وتنحنح آخر.
شحُب وجه ريان:
«صوفي… ما هذا؟»
قلت بهدوء:
«ليست مزحة. هذا حدّي.»
احمرّ وجه ديان غضبًا:
«كيف تجرؤين؟ أنتِ تُهينيننا!»
أجبت:
«ليس أنا. أنتما تفعلان ذلك منذ خمس سنوات.»

ثم قلتها—بنبرةٍ هادئة بما يكفي لضبطها، وواضحة بما يكفي لتصل:
«منذ خمس سنوات وأنا أدفع ثمن منزلكِ، وعلاجاتكِ، ورحلاتكِ—وصورتكِ. وفي الوقت نفسه، تتباهين بريان كأنّه المعيل، وتعاملينني كأنني ضجيجٌ في الخلفيّة.»
على الجانب الآخر من الطاولة، لم تبتسم مارلين هذه المرّة. اكتفت بالمراقبة.
انحنى ريان نحوي، وصوته مشدود:
«دعينا نتحدّث عن هذا في البيت.»
قلت:
«لا. لأنّ هذا بالضبط هو المكان الذي أردتَ فيه العرض.»
دفعتُ ملفّ الفاتورة نحوه.
قلت:
«لا أحمل بطاقتي. إن أردتَ الدفع، فستدفع أنت. أو والدتك. أو أيّ واحد من الذين يصدّقون أنك ‘تفعل كلّ شيء من أجلها’.»
التفتت ديان إلى مارلين كمن يبحث عن طوق نجاة:
«مارلين—قولي شيئًا!»
عدّلت مارلين منديلها بهدوء:
«ماذا تريدينني أن أقول؟ إنها محقّة.»
سرت همهمات خافتة في القاعة.
وقف ريان، وقد اخترق الذعر كبرياءه:
«أنا… لا أملك هذا المبلغ.»
قلت:
«أعلم. ولهذا أخبرتك منذ سنوات أن تتعلّم كيف تدير المال.»

كان النادل يقف متردّدًا في دائرة الانفجار، وابتسم ابتسامة متكلّفة:
«خذوا وقتكم.»
وقفتُ ببطء، كأنّني أريد لتلك اللحظة أن تُحفر في الذاكرة. أمسكتُ حقيبتي بإحكام، وتركتُ المصيدة على الطاولة دون أن ألتفت خلفي فورًا، كأنّ وجودها هناك صار بيانًا صامتًا لا يحتاج إلى شرح. لم تكن قطعة معدن فحسب، بل خلاصة سنوات من الصمت، والإنفاق، والانكسار المؤجَّل.
حدّقت ديان في أثري بعيونٍ متّسعة، لا غضب فيها بقدر ما فيها دهشة من فقدان السيطرة. كانت تلك المرّة الأولى التي ترى فيها المشهد ينفلت من يدها. أمّا ريان، فقد حاول اللحاق باللحظة قبل أن تفلت
نهائيًا.
قال بصوتٍ بدا فيه التوسّل أكثر ممّا فيه الغضب:
«إلى أين تذهبين؟»
التفتُّ إليه، لا بعصبيّة، ولا بانكسار، بل بهدوء شخصٍ اتّخذ قراره منذ زمن، وانتظر فقط اللحظة المناسبة ليقوله بصوتٍ مسموع.
قلت:

«إلى مكانٍ أستطيع أن أنام فيه دون أن أدفع ثمن أحد، ودون أن أُحاسَب على صمتي.»
كان الصمت الذي تلا كلماتي أثقل من أيّ صراخ. لم يكن في القاعة من يملك الجرأة على مقاطعته. عند الباب، توقّفتُ للحظة، ليس تردّدًا، بل لأنّ بعض الوداع يحتاج نظرة أخيرة.
التفتُّ مرّة واحدة—مرّة واحدة فقط—وكأنّني أُغلق بابًا طويلًا خلفي.
قلت:
«احتفظي بالمصيدة يا ديان. اعتبريها تذكارًا… عن كلّ السنوات التي أبقيتِني فيها محبوسة، وعن اللحظة التي قرّرتُ فيها أخيرًا أن أفتح الباب.»
ثم خرجتُ. خرجتُ مرفوعة الرأس، بخطواتٍ ثابتة، من دون أن يحاول أحد إيقافي. لم يكن ذلك لأنّهم اقتنعوا، بل لأنّهم أدركوا، متأخّرين، أنّ السيطرة انتهت.
في صباح اليوم التالي، رنّ هاتفي مرارًا وتكرارًا. كان اسم ريان يضيء الشاشة ثم ينطفئ، مرّة بعد أخرى. تركتُ الهاتف جانبًا، أحتسي قهوتي ببطء، أراقب ضوء الصباح وهو يتسلّل إلى الغرفة. لم أكن أهرب من الحديث، بل كنت أستعيد نفسي.
عند الظهيرة، أجبتُ أخيرًا.
قال بصوتٍ منهك، خالٍ من النبرة الواثقة التي اعتدتُها:
«نحتاج أن نتحدّث.»
أجبته بهدوءٍ لم أعرفه من قبل:
«سنتحدّث. عن المال، والاحترام، والحدود، وعن ما سيحدث بعد ذلك. لأنّ كلّ شيء لم يعد قابلًا للتأجيل.»

ثم أغلقتُ الهاتف، لا غضبًا، بل لأنّ بعض الأحاديث لا تبدأ عبر الأسلاك، بل وجهًا لوجه، بعد أن يتغيّر ميزان القوّة.
وقفتُ عند النافذة، أنظر إلى المدينة الممتدّة أمامي. الشوارع كما هي. المباني كما هي. الناس يمضون في يومهم كأنّ شيئًا لم يحدث. العالم في الخارج لم يتغيّر.
لكنّني تغيّرت.
لم أعد المرأة التي تدفع ثم تصمت.
ولا تلك التي تُسمّي التحمّل وفاءً.
ولا التي تخاف أن تقول «لا» فتُتّهم بالقسوة.
تغيّرتُ لأنّني أدركتُ أخيرًا أنّ الاستمرار في الخطأ ليس تضحية، وأنّ الرحيل أحيانًا ليس هروبًا، بل بداية حياة تُدار بكرامة، وحدود واضحة، وصوتٍ مسموع.
وفي تلك اللحظة، شعرتُ بشيءٍ لم أشعر به منذ سنوات:
راحة لا تُشترى…
وحريّة لا تُموَّل…
ونومٍ يأتي بلا ثمن.