ظنّ أن المال سيغيّر حياته… فاكتشف الحقيقة متأخرًا
تفتّحت الأبواب، وخرج الجيران مذعورين على غير عادتهم في تلك الساعة. لم يحتج الأمر إلى شرح طويل. رأوا الطفل الهزيل، والمرأة الغائبة عن الوعي، والرجل الذي تهشّم أمام أعينهم. شغّل أحدهم شاحنته على عجل، وحُملت الأجساد الواهنة إلى الداخل، وانطلقت السيارة مسرعة نحو مستشفى سان أركاديو الإقليمي.
في غرفة الطوارئ، ما إن أُغلق الباب خلفهم حتى انهار لياندرو على الأرض. جلس هناك، ظهره إلى الحائط، ورأسه بين يديه، عاجزًا حتى عن البكاء. وبجواره، كانت الحقيبة المفتوحة التي تحتوي على مليون دولار موضوعة بإهمال، كأنها نكتة سوداء، أو صفعة ساخرة من القدر في أقسى لحظة.
خرج الطبيب بعد وقتٍ بدا أطول من العمر، وملامحه مشدودة، وعيناه تحملان ما لا يُقال بسهولة.
«زوجتك تعاني من سوء تغذية حاد، وانهيار في التوازن الأيضي.»
قالها ببطء، كمن يزن كل كلمة.
«والطفل مصاب بالتهاب رئوي شديد وفشل تنفسي.»
توقّف لحظة، ثم أضاف بصوتٍ أكثر انخفاضًا:
«لقد بلغا حدّهما الأقصى. لو تأخّرتم قليلًا… لما كنا هنا لنتحدث.»
لم يُجب لياندرو.
لم يكن يملك جوابًا. الكلمات خانته، كما خانهم الزمن.
اقتربت جارته، دونيا سيفيرينا، بخطوات مترددة، وتحدّثت بصوتٍ منخفض، كأنها تخشى أن تزيد الجرح عمقًا.
«لياندرو… لم يسمع أحد عنك لمدة عام. تُركت ماورا وحدها، بلا حليب، بلا مال، وبلا سند.»
تنفّست بعمق ثم تابعت:
«أمك، بريخيدا إيزكوا، قالت إنك هجرتها. فذهبت لتعيش مع أختك لتعتني بالحفيد الآخر. وماورا… حاولت أن تطلب المساعدة، لكنها مع الوقت لم تعد تملك حتى القوة على الوقوف.»
كانت كل كلمةٍ تسقط على صدره كحجر. لم تكن اتهامًا فحسب، بل مرآة قاسية لما فعله بغيابه.
أخرج هاتفه واتصل بأمه.
رنّ الخط، ثم جاءه صوتها مرحًا، كأن العالم بخير.
«مرحبًا؟ نحن نتعشّى، والموسيقى تعمل…»
انفجر صوته دون أن يشعر:
«ابني كاد يموت! زوجتي تحتضر! أين كنتِ حين كان حفيدك يذبل أمام عينيها؟»
ساد صمتٌ ثقيل على الخط.
لم تأتِ إجابة.
ثم أُغلق الاتصال.
سقط الهاتف من يده وتحطّم على أرض المستشفى.
من الممر، رأى ماورا موصولةً بالمحاليل الوريدية، جسدها ساكن كأنه ورقة ذابلة أُعيدت قسرًا إلى الحياة. ورأى ناهيل داخل حاضنة صغيرة، صدره يرتفع ويهبط بصعوبة، يقاتل لالتقاط كل نفس.
عندها فقط، التفت لياندرو إلى المال.
نظر إليه طويلًا، بلا رغبة، بلا فخر، بلا إحساس بالقيمة. لم يعد المال في تلك اللحظة سوى أوراق صامتة، عاجزة عن إنقاذ ما كان يحتضر أمام عينيه. وفي تلك الثواني الثقيلة، أدرك الحقيقة القاسية التي غفل عنها طوال عامٍ كامل، حقيقة لم تعلّمها له الجبال ولا الصحراء ولا المخاطرة:
لقد عاد غنيًّا… لكنه عاد متأخرًا.
انفجر بالبكاء. لم يكن بكاء ضعف، بل بكاء رجلٍ انكسرت فيه كل الأقنعة دفعة واحدة. بكى بلا خجل، بلا محاولة للتماسك، بلا حسابٍ لمن يراه. بكى لأن الندم حين يأتي متأخرًا يكون أثقل من أي فقر، ولأن الخسارة حين تمسّ من نحب لا يعوّضها كنز. كان بكاؤه اعترافًا صامتًا بثمنٍ دفعه الآخرون بدلًا عنه.
في تلك الليلة، وهو جالس على أرض المستشفى الباردة، ظهره إلى الجدار وقلبه معلّق خلف الأبواب المغلقة، تعلّم درسًا لم تعلّمه أي وظيفة، ولا أي مال، ولا أي مقامرة خطِرة، درسًا لا يُكتب في العقود ولا يُدرّس في المدارس:
المال يمكنه أن ينتظر.
الحياة لا تستطيع.
فالحياة لا تؤجَّل، ولا تُختصر في وعدٍ مؤجَّل، ولا تصبر على غيابٍ طويل. الحياة إمّا أن تُعاش الآن… أو تُفقد إلى الأبد.
وأقسم، وهو يسمع أجهزة التنفّس تعمل خلف الجدار، أن إن كُتب لزوجته وابنه النجاة، فلن يرحل مرةً أخرى أبدًا. أقسم ألا يتركهما مهما كانت المغريات، ومهما بدا الفقر مخيفًا، ومهما أغرت الدنيا بوعودٍ كاذبة. أقسم أن يبقى، أن يتحمّل، أن يشاركهما الجوع قبل الشبع، والتعب قبل الراحة، والخوف قبل الأمان.
أقسم أن يبقى حتى لو لم تمنحهم الحياة سوى الفاصولياء والخبز، وسقفًا بسيطًا يحميهم من المطر، ودفئًا متواضعًا يجمعهم في الليالي الباردة. لأن الثراء الحقيقي ليس فيما نملك، بل فيمن نعود إليهم آخر اليوم.
لأن اليقين بأنهم معًا…
أغنى من أي ثروة،
وأصدق من أي وعد،
وأبقى من أي مال.
فلا ثروة أعظم
من أن تفتح باب بيتك،
فتجد من تحبّهم أحياء،
ينظرون إليك بعينين لا تطلبان شيئًا
سوى أنك عدت،
وتتنفّس معهم،
وتدرك أخيرًا
أن النجاة ليست في ما تجمعه،
بل فيمن تنتظرهم خلف ذلك الباب.

تعليقات