وضعتُ كاميرا خفيّة في غرفة ابنتي… فاكتشفت أيّ رجلٍ تزوّجت
تجمّدتُ في مكاني، كأن السؤال سُحب من أعماقي لا من فم الطبيب. وفي اللحظة نفسها، اندفعت الذكريات إلى ذهني دفعةً واحدة، بلا استئذان، بلا رحمة.
بعد طلاقي، كنتُ وحيدة، مرهَقة، خائفة من الغد. اضطررتُ حينها لترك إيما مع والدتي أكثر من شهرٍ كامل، فقط لأعمل، ولأعيد ترتيب حياتي التي انهارت فجأة. كنتُ أقول لنفسي إن الأمر مؤقّت، وإن ابنتي صغيرة ولن تتأثّر كثيرًا، وإنني أفعل هذا من أجلنا معًا.
لكن عندما عدتُ… لم تتعرّف إليّ.
ما زلت أرى المشهد بوضوح مؤلم: دخلتُ البيت، وفتحتُ ذراعيّ لها، فنظرت إليّ بعينين متردّدتين، ثم اختبأت خلف أمي، ممسكة بثوبها بخوف، كأنني غريبة اقتحمت عالمها الصغير. شعرتُ حينها بوخزٍ حاد في صدري، لكنني أخفيته بابتسامة مصطنعة، وقلت لنفسي وأنا أتنفّس بعمق:
«ستعتاد عليّ من جديد… تحتاج فقط إلى بعض الوقت.»
لم أكن أعلم أن ذلك “الوقت” ترك شرخًا صغيرًا في قلبها… شرخًا صامتًا، خفيًّا، لم يلتئم كما ظننت، وظلّ ينمو معها في الظلام.
وإيفان — الرجل الذي راقبته سرًّا، والذي سمحتُ للشك أن يتسلّل إلى قلبي حياله — كان الوحيد الذي انتبه لذلك الشرخ. لم يره بعينيه فقط، بل شعر به بقلبه.
تعلّم كيف يهدّئ إيما دون أن يوقظها تمامًا، كيف يكلّمها بصوتٍ منخفض، وكيف يكون حضوره طمأنينة لا اقتحامًا. تعلّم أن يسهر، لا لأن أحدًا طلب منه ذلك، بل لأن قلبه لم يسمح له بغيره.
كان يضبط منبّهًا كل ليلة، في الوقت الذي اعتاد أن تبدأ فيه نوبات المشي أثناء النوم. يجلس بهدوء قرب سريرها، يراقب أنفاسها، ينتظر اللحظة التي تنهض فيها بعينين مفتوحتين وقلبٍ غائب. وحين تبدأ بالتجوّل، كان يقترب منها برفق، يوجّهها دون فزع، يعيدها إلى السرير، ويغطّيها كما لو كانت قطعة ثمينة يخشى أن تنكسر.
لم يوبّخني يومًا على شكوكي.
لم يلمّح.
لم يشتكِ.
بل استمرّ في حبّنا بصبرٍ صامت، حبّ لا يحتاج إلى تصفيق ولا اعتراف، حبّ يُمارَس في الظلام حين لا يراه أحد.
وعندما انتهيتُ من مشاهدة التسجيل كاملًا، لم أبكِ خوفًا، بل خجلًا. خجلًا من نفسي، من ظنّي، من تلك الكاميرا التي وضعتها بدافع القلق، فاكتشفتُ عبرها معدن رجلٍ نادر.
الرجل الذي خفتُ يومًا أن يؤذي طفلتي
كان في الحقيقة من يتحمّل الألم عنها، ليلًا بعد ليل، دون أن يطلب شيئًا.
نزعتُ الكاميرا بيدٍ مرتجفة، كأنني أزيل شاهدًا على سوء ظنّي، وذهبتُ مباشرة لأحتضن ابنتي. احتضنتها طويلًا، بقوة، كأنني أعتذر دون كلمات عن كل ما لم أفهمه في وقتٍ سابق.
فتحت إيما عينيها وسألت بصوتٍ خافت، نصفه نوم ونصفه أمان:
«أمّي… هل سيأتي أبي الليلة؟»
امتلأت عيناي بالدموع، لا حزنًا هذه المرة، بل امتنانًا.
ابتسمتُ وقلت:
«نعم يا حبيبتي… هو هنا دائمًا.»
ومنذ ذلك اليوم، تغيّر كل شيء.
ننام الآن كل ليلة في الغرفة نفسها. أستلقي بجانب إيما، أشعر بدفء جسدها الصغير، بينما ينام إيفان في السرير القريب منّا، يمدّ يده دائمًا في استعدادٍ صامت، كأنه يقول للعالم: «أنا هنا، ولن أتركها.»
لم تعد الليالي ثقيلة ولا مخيفة.
لم تعد مليئة بالقلق والتوجّس.
صارت ليالي مليئة بالحب، بالسكينة، وبشعورٍ جديد اسمه الأمان.
أدركتُ أخيرًا أن بعض الناس لا يأتون ليحلّوا محلّ أحد… بل ليُرمّموا ما انكسر فينا دون أن يطالبوا بمكانٍ أو لقب.
لقد وضعتُ تلك الكاميرا لأضبط زوجي متلبّسًا بخطأ،
لكنني وجدتُ بدلًا من ذلك دليلًا نادرًا على حبٍّ حقيقي، حبّ لا يُقال كثيرًا، بل يُعاش.
الرجل الذي شككتُ فيه يومًا
كان هو من اختار أن يحمل ألمنا بلطف، وأن يكون حاضرًا حين كان الغياب هو القاعدة.
والطفلة التي كانت تخاف الليل
صارت اليوم تنام مطمئنّة بين ذراعي رجل
ليس والدها البيولوجي،
لكن قلبه كان واسعًا بما يكفي ليحمينا معًا، دون شروط.
يقول الناس:
«الأب الحقيقي ليس من يمنحك الحياة،
بل من يكون حاضرًا حين تحتاج إلى عناق.»
والآن، بعد كل ما مررنا به، أعلم يقينًا…
أنني وجدتُ ذلك الرجل.
النهاية.

تعليقات