ابن المليونير كان أعمى… وفتاة حافية فعلت شيئًا لا يصدّقه عقل
كان قلبه يخفق بقوة حتى كاد يسمعه.
«ماذا… ماذا ستفعلين؟»
قالت:
«انزع نظّارتك. أحتاج أن أرى عينيك».
بأصابع مرتجفة، نزع إلياس نظّارته ووضعها في حجره. ظهرت عيناه معتمتين، تغطّيهما طبقة بيضاء ضبابيّة، وبؤبؤاه شبه جامدين. كان منظرًا يكره أليخاندرو رؤيته، لا من أجل ابنه فقط، بل من أجل عجزه هو.
انحنت ماريا دون خوف. نظرت إلى عينيه بجدّية لا تشبه سنّها.
قالت:
«ثق بي. لن أؤذيك. أعدك».
والعجيب أن إلياس وثق بها. لم يعرف لماذا، ولا كيف… لكنه وثق.
شعر بأطراف أصابعها تلامس سطح عينه اليمنى برفق. توقّع ألمًا، أو حرقة، أو شيئًا مرعبًا… لكنه لم يحدث. بدلًا من ذلك، شعر بحركة. كأن شيئًا ما داخل عينيه قد ارتخى، كأن حجابًا ظلّ ملتصقًا لسنوات وجد أخيرًا موضعًا لينفصل.
باعتناءٍ يكاد يكون مقدّسًا، سحبت ماريا طبقة رقيقة شبه شفّافة. وحين نزعتها بالكامل، رفعتها في الهواء. بدت كخيطٍ هشّ من الضوء والضباب، يلمع تحت شمس الساحة، ويعكس ألوان الطيف.
همس إلياس بصوتٍ متهدّج:
«ما هذا؟»
قالت بهدوء:
«هذا ما كان يمنعك من الرؤية».
كرّرت الأمر مع العين الأخرى. الشعور نفسه بالتحرّر. العناية نفسها. استقرّ الخيط الثاني إلى جوار الأول في يديها الفقيرتين، يلمعان ككنزين.
أغمض إلياس عينيه بقوة. وحين فتحهما، رأى في البداية نورًا فقط. نورًا شديدًا، جارحًا. ثم بدأت الأشكال تتكوّن ببطء. مشوّشة… مرتعشة… لكنها حقيقيّة. ظلٌّ أمامه. شعرٌ داكن. ابتسامة.
قال وهو يلهث:
«أنا… أرى شيئًا. ماريا… أنا أرى حقًا».
وفي تلك اللحظة تحديدًا، مزّق الصراخ السكون.
«ماذا تفعلين بابني؟»
اندفع أليخاندرو شاحب الوجه، قبضتاه مشدودتان. توقّف الناس. أخرج بعضهم هواتفهم. حبست الساحة أنفاسها.
أمسك أليخاندرو بكتفي إلياس وجذبه نحوه.
«من أنتِ؟ ماذا فعلتِ به؟»
صرخ إلياس:
«أبي، انتظر! أرجوك اسمعني. أنا… أرى الضوء. أرى الأشكال. أراك أنت».
ساد صمتٌ كثيف. امرأة وضعت يدها على فمها. شيخ أسقط صحيفته. حتى الحمام توقّف عن الطيران.
نظر أليخاندرو إلى ابنه. نظر إليه حقًا. ورأى ما لم يره من قبل: لم تعد تلك العتمة في عينيه. كان بؤبؤاه يتحرّكان، يتفاعلان مع الضوء. ابنه، الذي استسلم له أمهر الأطباء، كان يرى.
تمتم:
«هذا… هذا مستحيل».
قال إلياس باكيًا:
«إنه ممكن. أبي، أنا أراك».
سقط أليخاندرو على ركبتيه، غير مكترث بالناس. أمسك وجه ابنه كمن يخشى أن يتلاشى.
ثم التفت إلى ماريا، صوته يرتجف خوفًا وغضبًا:
«كيف فعلتِ هذا؟»
قالت بهدوء:
«لم أعرف كيف. أنا فقط آمنت».
لم تُطمئنه كلماتها، بل أخافته. فكان ردّه ردّ كثير من الكبار أمام ما لا يفهمونه: الرفض.
قال بحدّة:
«سنذهب إلى المستشفى الآن».
أمسك بيد إلياس، ومضى.
صرخت ماريا:
«انتظر! خذ هذا!» ومدّت يدها بالخيوط اللامعة، لكنه لم يلتفت.
انطلقت السيارة السوداء، وخلّفت غبارًا.
بقيت ماريا وحدها في الساحة، والخيطان يرتجفان في يدها كجناحي فراشة. همس الناس: سحر… معجزة. لم تهتم. قبضت عليهما، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم مضت.
وما حدث لاحقًا في المستشفى كان أشدّ وقعًا على أليخاندرو.
لم يجد الأطباء أي أثر لمرض. قرنيات صافية. بؤبؤات متفاعلة. شبكيّات سليمة.
قال طبيب عيون مشهور، ملحد صريح:
«لا أستطيع تفسير هذا. طبيًا لا ينبغي أن يحدث. لكنه حدث. إن كان هناك اسم لهذا… فهو معجزة».
خرج أليخاندرو مترنّحًا، مدركًا أن شيئًا أعظم من ماله ونفوذه قد تدخّل في حياة ابنه، وأنه صدّ بأفعاله أداة تلك المعجزة.
لم ينم تلك الليلة.
وفي اليوم التالي، عاد إلى الساحة. بحث. اعتذر. ندم. ولم يجدها.
إلى أن قادته الخيوط إلى دار أيتام سان ميغيل… حيث عرف أن ماريا رسمت ذات يوم ولدًا ببدلة بيضاء على مقعد، وفتاة تمدّ يدها إلى عينيه. وسمّت الرسم: «مستقبلي».
وأُسّست مؤسسة ماريا مولينا.
ومرّت السنوات.
إلى أن عاد اللقاء… بسيطًا… كما بدأت المعجزة.
وهكذا، لم تكن المعجزة أن يستعيد إلياس بصره فقط، بل أن يتعلّم الجميع كيف يرون حقًا.
لأن المعجزات لا تأتي دائمًا بصوت الرعد…
أحيانًا تأتي حافية القدمين،
وتبدأ بكلمة: «مرحبًا».

تعليقات