قالوا إنه بلا قلب… حتى جاءت طفلة الخادمة وطلبت القهوة

قالوا إنه بلا قلب… حتى جاءت طفلة الخادمة وطلبت القهوة

طوال سنوات، لم ترَ منه سوى بروده وسلطته الصامتة.
أما الآن، فبدا إنسانًا.
قال فيكتور بلطف:
«إيما، ماذا تريدين أن تصبحي عندما تكبرين؟»
أجابت فورًا:
«خبّازة.»
سأل:
«لماذا؟»
قالت ببساطة:
«لكي ترتاح أمي. إنها تعمل كثيرًا.»
اغرورقت عينا كلارا بالدموع.
وشعر فيكتور بأن شيئًا انكسر في داخله.
قال:
«أمك تعمل بجد. إنها قوية.»
هزّت إيما رأسها بفخر.
ساد الصمت المكان، لكنه كان دافئًا هذه المرة، لا باردًا.
ارتشف فيكتور قهوته ببطء.
ثم سأل:
«كم عمرك؟»
قالت بفخر:
«ست سنوات ونصف.»
«هل تحبين المدرسة؟»

«نعم، لكنني أحب الرسم أكثر.»
«وماذا ترسمين؟»
قالت:
«العائلات.»
تجمّد فيكتور.
ثم أضافت:
«الكبيرة… مع ابتسامات.»
التوى شيء في قلبه.
تحرّكت كلارا بقلق.
همست:
«إيما، لا تزعجي السيد ألميدا.»
قال فيكتور بسرعة:
«لا بأس.»
ثم التفت إلى إيما:
«هل تعرفين ماذا أعمل؟»
قالت:
«تعمل كثيرًا. أمي تقول إنك مشغول.»
تنهد:
«هذا صحيح.»
ثم سألته فجأة:
«هل أنت سعيد؟»
أربكه السؤال.
أجاب بصدق:
«لا أدري.»
قالت ببساطة:
«يجب أن تكون. القهوة تكون أفضل عندما تكون سعيدًا.»

ضحك فيكتور بخفة، لأول مرة منذ سنوات.
لم تصدّق كلارا ما تراه.
قالت بصوت منخفض:
«سيدي… أعتذر حقًا.»
أجاب:
«لا. أنا أشكرك.»
سألت بدهشة:
«على ماذا؟»
قال:
«لأنكِ سمحتِ لابنتك أن تكلّمني.»
انسابت الدموع على خدّي كلارا.
وقف فيكتور ببطء.
وقال وهو ينحني إلى مستوى إيما:
«إيما، هل تحبين أن تأتي إلى هنا مرة أخرى؟»
اتّسعت عيناها:
«حقًا؟»
ابتسم:
«نعم. من أجل القهوة.»
صفّقت إيما بسعادة.
شهقت كلارا:
«سيدي، هذا كثير—»
قال بحزم:
«ليس كذلك.»
ثم أضاف:
«لقد كنت وحيدًا لوقت طويل.»
عانقته إيما فجأة.

تجمّد فيكتور، ثم ردّ العناق ببطء.
غطّت كلارا فمها وهي تبكي بصمت.
ومنذ ذلك اليوم، تغيّر كل شيء.
كانت إيما تزوره كل صباح قبل المدرسة.
يتشاركون الكعك والقصص والضحك.
تعلّم فيكتور عن الرسوم المتحركة، والملاعب، وأحلام الطفولة.
وتعلّمت إيما عن الأرقام، والمباني، والصبر.
راقبت كلارا بدهشةٍ صامتة كيف تحوّل ربّ عملها، الذي طالما عرفته بصرامته وبروده، إلى إنسانٍ آخر… إنسان يبتسم، يصغي، ويجلس طويلًا دون أن ينظر إلى ساعته.
لم يكن التغيّر صاخبًا أو مفاجئًا، بل بطيئًا، هادئًا، كضوءٍ يتسلّل إلى غرفةٍ مظلمة منذ سنوات.
بدأ فيكتور يبتسم من جديد، ابتسامة حقيقية لا تشبه تلك التي يوزّعها في الاجتماعات أو أمام الكاميرات.
صار يضحك أحيانًا، ويتوقّف ليستمع، بل ويطرح أسئلة لم يكن يسألها من قبل.
ومع مرور الأيام، قلّص ساعات عمله بنفسه، وكأن شيئًا داخله أقنعه أخيرًا أن الحياة ليست سباقًا لا ينتهي.
لم يعد القصر فارغًا كما كان.
لم تعد جدرانه صامتة ولا ممرّاته باردة.
صار للصباح صوت، وللمساء دفء، وللطاولة معنى.

وفي إحدى الأمسيات، دعا فيكتور كلارا وإيما إلى العشاء.
لم يكن عشاءً رسميًا، ولا مناسبة عمل، بل دعوة بسيطة خرجت من قلبٍ قرّر أن يفتح بابه.
قال بهدوءٍ صادق:
«أريد أن أساعد.»
ثم توقّف لحظة، وكأنه يزن كلماته، وأضاف:
«في تعليمها… وفي مستقبلها.»
لم تستطع كلارا أن تحبس دموعها.
بكت بصمت، لا ضعفًا، بل امتنانًا.
همست بصوتٍ مرتجف:
«لا يجب عليك… هذا كثير.»
أجابها دون تردّد:
«أريده أنا، قبل أن تحتاجيه أنتِ.»
قفزت إيما فرحًا، وصفّقت كأنها فهمت أن شيئًا جميلًا يحدث، حتى وإن لم تُدرك كل أبعاده.
مرّت الشهور، وتحوّل البيت إلى مساحة حيّة.
امتلأ بالضحك، بالأسئلة الصغيرة، وبالأحاديث التي تُقال قبل النوم.
حضر فيكتور عروض إيما المدرسية، وجلس بين الأهالي دون حراسة أو تكلّف، وصفّق لها كأنها أعظم نجمة على المسرح.

وساعد كلارا على تحقيق حلمٍ قديم، حلمٍ دفنته سنوات التعب:
افتتاح مخبز صغير.
كان بسيطًا في بدايته، لكنه امتلأ برائحة الطفولة والجهد الصادق.
وسرعان ما أصبحت كعكاتهم مشهورة في الحي، لا لطعمها فقط، بل لما تحمله من قصة.
وفي أحد الأيام، وبينما كانوا يجلسون معًا في المساء، سألت إيما فجأة، وببراءةٍ لا تعرف الحساب:
«هل أنت عائلتي الآن؟»
لم يتردّد فيكتور.
ابتسم بدفءٍ لم تعرفه ملامحه من قبل، وقال:
«نعم… إن قبلتِ بي.»
عانقته إيما بقوة، كأنها كانت تنتظر هذا الجواب منذ زمن.
ومسحت كلارا دموعها، وهي تدرك أن حياتها لم تعد كما كانت.
سؤال صغير، خرج من قلب طفلة،
غيّر حياة ثلاثة أشخاص إلى الأبد.
لأن أحيانًا، أشجع الكلمات لا تأتي من الحكماء،
بل من أصغر القلوب.
وأحيانًا،
فنجان قهوة واحد…
يكون كافيًا لشفاء عمرٍ كامل من الوحدة.