عاد إلى بيته فسمع كلمة «أبي»… ومن هنا تغيّر كل شيء

عاد إلى بيته فسمع كلمة «أبي»… ومن هنا تغيّر كل شيء

لو أن مليارديرًا اعتاد أن يأمر فيُطاع في كل شيء، سمع داخل شقته الفاخرة طفلًا يصرخ: «أبي!»، فبرأيك ماذا كان سيحدث؟
كان أوغستو فيلار في أوائل الخمسينيات من عمره، يسيطر على أفق مدينة كوريتيبا بمبانٍ تحمل توقيعه، لكنه كان يعيش في شقة ضخمة في حيّ باتيل، بدت كأنها متحف: جميلة، باهظة الثمن… وصامتة أكثر مما ينبغي. قبل ثلاث سنوات، فقد زوجته كلارا، ومنذ ذلك الحين لم يعد المال يفعل شيئًا سوى شراء مزيد من الصدى والفراغ.
في إحدى ليالي الثلاثاء، عاد أوغستو إلى المنزل أبكر من المعتاد، فاستغرب سماع ضحكات خافتة في غرفة الجلوس. سار ببطء، مستعدًا لاستدعاء الحراسة، إلى أن شاهد مشهدًا بدا له مستحيلًا: طفلة صغيرة ذات ضفيرتين غير متناسقتين تلعب فوق سجادة فارسية، تنثر الفتات حولها، وبجانبها كانت عاملة التنظيف الجديدة، لارا، جاثية على ركبتيها، شاحبة الوجه من شدة الخوف.

قالت لارا بصوتٍ مختنق:
«سيدي، أستطيع أن أشرح… أمي في المستشفى، ولم أجد من أترك عنده نينا. ظننتُ أنك ستعود متأخرًا».
وقبل أن يرد أوغستو، رفعت الطفلة رأسها، وارتسمت على وجهها ابتسامة بعرض العالم، ثم ركضت نحوه. عانقت ساقيه بقوة، وصرخت وكأنها تعرفه منذ زمن بعيد:
«أبي وصل!».
اختنق الهواء في صدر أوغستو. حاولت لارا سحبها وهي في غاية الارتباك، لكن نينا تمسكت به أكثر، وقالت بإصرار بريء:
«هو كبير وجميل… مثل أبي في السماء».
وعندما روت لارا، بصوتٍ متكسر، أن والد الطفلة توفي وهي لا تزال في بطنها، انحنى أوغستو حتى صار في مستواها، وسألها عن اسمها.
قالت:
«نينا. هل يمكنني أن أناديك مانو؟»

ضحكت وهي تخطئ في الاسم، وكان ذلك كافيًا ليبتسم أوغستو للمرة الأولى منذ سنوات.
في المطبخ المتقن النظافة، لم يكن هناك سوى أنواع فاخرة من الجبن، ولا شيء يصلح لأن يكون عشاءً. قالت لارا بخجل: «أرز وفاصولياء»، وكأن هذا الطعام محظور في ذلك البيت. أمر أوغستو بإحضار مستلزمات من السوق، ودون أن ينتبه، وجد نفسه يقشر البطاطس إلى جانبها، بينما كانت نينا تحكي عن وحوش خيالية، ثم تنفخ برفق على جرح صغير في إصبعه وكأنها تشفيه.
في تلك الليلة، تناولوا الطعام معًا، وضحكوا بصوتٍ منخفض، وأدرك أوغستو أمرًا واضحًا:
الترف لا يمنح الدفء… البشر يفعلون.
بعد أيام، فقدت لارا أعمالها الأخرى. انهارت على أرض المطبخ، تفكر في ابنتها وأمها المريضة. لم يلقِ أوغستو خطابًا طويلًا؛ بل عرض عليها عملًا ثابتًا، وراتبًا كريمًا، وتأمينًا صحيًا للعائلة. ارتجفت لارا، لكنها وافقت.

وحين بدأ سكان المبنى يتهامسون، أرادت لارا الانسحاب. قالت:
«سيظنون أنني أستغل الوضع».
اصطحب أوغستو نينا لزيارة السيدة ألزيرا في المستشفى الخاص. كان الممر هادئًا، تفوح فيه رائحة المطهّرات، وتنعكس الأضواء البيضاء على أرضية لامعة تشبه صمت المكان. وحين دخلا الغرفة، التفتت المرأة المسنّة إليهما بعينين متعبتين، لكنهما كانتا تحملان امتنانًا صادقًا. مدت يدها المرتجفة وأمسكت بيد أوغستو، وضغطت عليها بخفة، وقالت بصوتٍ مبحوح لكنه ثابت:
«شكرًا لأنك لم تترك ابنتي تسقط».

لم يجد أوغستو كلمات يردّ بها. ظلّ واقفًا للحظة، يحدّق في يد السيدة العجوز وهي تضغط على يده، كأنها تُودِع فيها ثقة ثقيلة لا يمكن ردّها. اكتفى بأن شدّ على يدها في صمت، وشعر للمرة الأولى بثقلٍ مختلف يستقر في صدره؛ ثقل مسؤولية لا تُفرض بقرار أو عقد، بل تُختار من أعماق القلب، وتبقى.
وعند الخروج من المستشفى، كان الممر طويلًا وهادئًا، لا يُسمع فيه سوى وقع الخطوات. فجأة توقفت نينا، كأن فكرة صغيرة علقت في صدرها ولم تعد تحتمل الانتظار. رفعت رأسها نحوه، ونظرت إليه بعينين واسعتين تحملان سؤالًا أكبر من عمرها، وسألته بصوتٍ خافت، كأنه يخشى أن يسمعه العالم كله:
«تعدني ألا تختفي؟»
⬅️ باقي القصة في الصفحة التالية (رقم 2)…