عاد إلى بيته فسمع كلمة «أبي»… ومن هنا تغيّر كل شيء

عاد إلى بيته فسمع كلمة «أبي»… ومن هنا تغيّر كل شيء

توقّف أوغستو بدوره. شعر أن السؤال لم يكن موجّهًا إلى هذه اللحظة فقط، بل إلى سنواتٍ طويلة من الغياب، من الفراغ، من الأبواب المغلقة. أخذ نفسًا عميقًا، وكأن الهواء يعيده ببطء إلى نفسه، ثم انحنى قليلًا ليكون في مستواها، وقال بصدقٍ لم يحتج إلى تزيين:
«لن أختفي. سأبقى».
وفي تلك اللحظة، حين عادا إلى البيت، بدا وكأن المكان الذي طالما كان صامتًا وباردًا قد استعاد أنفاسه المفقودة. لم يحدث تغيير ظاهر؛ الجدران بقيت كما هي، والأثاث ظلّ في موضعه، واللوحات لم تتحرّك من أماكنها. ومع ذلك، كان هناك شيء خفيّ يسري في الأجواء، كأن الروح عادت لتسكن المكان بعد غياب طويل. الفراغ الذي كان يملأ الزوايا، ويثقل الممرات، ويجعل الخطوات تتردد بلا صدى، بدأ يتراجع ببطء، خطوةً خطوة، وكأن البيت نفسه يتعلّم من جديد كيف يحتضن الحياة، وكيف يفسح لها مكانًا بين جدرانه.

ومع مرور الأيام، لم تعد نينا ضيفة عابرة، ولا صوتًا طارئًا يظهر ثم يختفي، بل صارت جزءًا أصيلًا من الإيقاع اليومي. صارت حضورًا ثابتًا، ونبضًا خفيفًا، ودواءً لا يُكتب في الوصفات ولا يُباع في الصيدليات. ضحكتها في الصباح كانت توقظ أوغستو بلطف، لا على عجلٍ ولا على فراغ، بل على شعور جديد بالانتظار. أسئلتها الصغيرة، التي تبدو عفوية وبريئة، كانت تفتح له نوافذ لم يكن يعلم بوجودها، نوافذ على نفسه قبل أن تكون على العالم. وخطواتها الخفيفة في أرجاء الشقة كانت تذكّره كل مرة بأن البيت لا يُقاس باتساعه ولا بقيمته، بل بمن يملأه حياة. لم يعد يستيقظ على الصمت وحده، ولم يعد يعود إلى بيتٍ ينتظره بلا روح أو دفء.
وفي حفل عيد ميلاد بسيط، بعيدًا عن المظاهر والترف، حيث لم تكن هناك عدسات ولا قاعات فاخرة ولا ضيوف غرباء، بل شموع قليلة وكعكة متواضعة وقلوب قريبة، اقتربت نينا منه بهدوء. وقفت على أطراف أصابعها، كأنها تجمع شجاعتها الصغيرة، ثم همست بطلبٍ جعل الملياردير يبتلع ريقه، وكأن تلك الكلمات أثقل من كل الصفقات التي عقدها في حياته، وأعمق من كل القرارات التي اتخذها من قبل:
«أريدك أن تكون أبي الحقيقي».

رفع أوغستو بصره ببطء إلى لارا. لم يكن ينظر إليها فقط، بل كان يقرأ ما بين نظراتها. رأى خوفًا مشروعًا من الخسارة، وأملًا حذرًا في النجاة، وتردّدًا ممزوجًا برجاء صامت لا يُقال بالكلمات. لم يتعجّل الإجابة، ولم يتهرّب منها كما اعتاد أن يفعل مع الأسئلة الصعبة. ترك اللحظة تأخذ حقها، وترك الصمت يقول ما يعجز عنه الكلام، ثم قال بهدوءٍ نابع من قرار ناضج لا رجعة فيه:
«إن اخترتموني، فأنا أختاركم».
مرّت الأشهر بطيئة، مليئة بالإجراءات والمواعيد والتواقيع والانتظار الطويل، لكنها كانت أيضًا مليئة بالصبر، وبالتعلّم، وبالاعتياد على فكرة أن العائلة لا تُبنى في يوم واحد. إلى أن جاء اليوم الذي وُقّعت فيه أوراق التبنّي. لم يكن يومًا صاخبًا، ولم تُرفع فيه أصوات، ولم تُلتقط فيه صور كثيرة، لكنه كان ممتلئًا بمعنى لا يُقاس. وعلى الشرفة، حيث يلتقي الضوء بالهواء، وحيث يمتدّ الأفق بلا حواجز، عانقته نينا بقوة، وكأنها تثبّت وعدًا قديمًا، ونادته أخيرًا دون تردّد، ودون تلعثم، وبصوتٍ ثابت:
«أبي».

عندها فقط، أدرك أوغستو أن بعض المعجزات لا تأتي في صورة ثروات أو إنجازات تُدوَّن في السجلات، ولا تُقاس بالأرقام أو العناوين، بل تصل في صوت طفل، تعبر الرخام البارد، وتزرع الحياة في مكانٍ لم يكن يسكنه سوى الفراغ الطويل.
وإن كنت تؤمن أن لا ألم يفوق وعد الله، فاكتب في التعليقات: أنا أؤمن، واذكر أيضًا من أي مدينة تتابعنا.