تركها تمضي… فوجد السلام الذي لم يمنحه له النجاح

تركها تمضي… فوجد السلام الذي لم يمنحه له النجاح

عندما أوقف إيثان كلارك سيارته الفاخرة عند أطراف حقل الذرة القديم، كانت الشمس قد بدأت تختفي خلف التلال الخضراء. بدا المشهد هادئًا، يكاد يكون بمنأى عن عبث الزمن، لكن في داخله كانت كل الأشياء في صراع. كان ذلك المكان يومًا ما حياته كلّها. هناك سكنت أحلامه الأبسط، ووعوده الأصدق — وهناك أيضًا الخطأ الذي لازمه خمسة أعوام طويلة.
في وسط صفوف النباتات الفتيّة، كانت ميرا جاثية على الأرض الداكنة. ترتدي فستانًا بلون النبيذ أنهكه الزمن، ومئزرًا فاتح اللون لطخته آثار العمل. كانت تقتلع الأعشاب الضارّة بالصبر ذاته الذي عُرفت به دائمًا، وكأن كل حركة تقوم بها فعل مقاومة صامتة. تعرّف إيثان فورًا على تلك الوقفة، وذلك الحرص. خمس سنوات مرّت منذ الطلاق، ومع ذلك بدا وكأن شيئًا لم يتغيّر فيها.
كانت قصتهما عادية، وفي الوقت ذاته موجعة بواقعيتها. رحل إيثان سعيًا وراء النجاح والطموح والاعتراف. بنى مسيرة مهنية مبهرة، وجمع المال والاحترام والنفوذ. أمّا ميرا، فقد بقيت. بقيت مع الأرض، ومع البيت البسيط، ومع الأيام الطويلة الصامتة. بقيت مع الغياب.

عندما وقّعا أوراق الانفصال، لم تقل ميرا سوى جملة واحدة لم يستطع إيثان نسيانها قطّ: إنه يركض خلف العالم، دون أن ينتبه لما يتركه وراءه. في ذلك الوقت، ظنّ أن الحب يمكنه الانتظار. ظنّ أن كل شيء يمكن استعادته لاحقًا. لكن الزمن لا يعمل بهذه الطريقة.
وبينما كان إيثان يشيد مباني من الزجاج والفولاذ، كانت ميرا تعيد بناء حياتها بيديها. تحوّلت المزرعة الصغيرة، التي كانت حلمًا مشتركًا بينهما، إلى مسؤوليتها الوحيدة. لم يكن الأمر سهلًا. كانت هناك أيام من وحدة، وإرهاق شديد، وليالٍ كان فيها الصمت يصرخ. ومع ذلك، بقيت. غرست جذورًا حيث كان الألم، ووجدت الكرامة في الجهد اليومي.
دوّى صوت خطوات إيثان فوق العشب اليابس، فرفعت ميرا بصرها. لوهلة، لم ينطق أيٌّ منهما بكلمة. بدا الماضي كلّه معلّقًا في تلك الثانية. كان مختلفًا: أكثر تقدّمًا في العمر، أكثر تحفظًا، وعلى وجهه أثر لا يستطيع المال إخفاءه — الندم. نهضت ببطء، تمسح يديها في مئزرها، وكأنها تحتاج وقتًا لتصدّق أن ما تراه حقيقي.

لم يبدأ إيثان بالاعتذارات. توجّه إلى السيارة، ثم عاد وهو يحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا، بدا عليه أثر الاستعمال المتكرر. في داخله كانت هناك مستندات مربوطة بشريط قديم، ومفتاح فضي. كانت ميرا تراقب في صمت، وقد ارتسم الارتباك على ملامحها.
بصوت منخفض، حدّثها إيثان عن الوعد الذي لم يفِ به يومًا. قبل سنوات، كان قد وعد بإعادة ترميم بيت عائلتها القديم، الذي تضرّر جرّاء عاصفة. في ذلك الوقت، اختار رحلة عمل. اختار العمل. أمّا الآن، فقد عاد البيت قائمًا من جديد. مُرمَّمًا بعناية، تحيط به الشجرة نفسها التي زرعتها ميرا مع والدها في طفولتها. المفتاح لها. والبيت لها أيضًا. بلا شروط، وبلا طلب مقابل.

انهمرت الدموع دون إنذار، كأنها كانت تنتظر إشارة واحدة لتتحرّر. لم تكن بسبب البيت وحده، ولا بسبب المفتاح الذي وُضع في يدها فجأة، بل بسبب كل ما كان يمثّله ذلك الفعل من معانٍ مؤجَّلة. كانت دموع أحلامٍ لم تُعش في وقتها، وصباحاتٍ كان يمكن أن تُقتسم ثم مضت إلى غير رجعة، وقراراتٍ صغيرة في ظاهرها، لكنها غيّرت مسار حياتهما بأكمله. وحين رفعت ميرا رأسها أخيرًا، سألت بصوتٍ خافت لا يخلو من التعب: لماذا؟ لماذا الآن؟
أجاب إيثان بصدقٍ مؤلم، دون أن يحاول تلطيف الحقيقة أو تجميلها. قال إنه وصل إلى كل ما كان يظنّه مهمًا: النجاح، والمال، والمكانة، والاعتراف. ثم اكتشف، متأخرًا، أن شيئًا من ذلك لم يملأ الفراغ الذي خلّفه غيابها، ولا عوّض ما خسره حين ظنّ أن الحب يمكن تأجيله. عاد الصمت ليخيّم بينهما، صمتٌ لم يكن فارغًا، بل مثقلًا بكل ما لم يُقَل، ولم يقطعه سوى حفيف الريح وهي تمرّ بين النباتات الفتيّة.

لم يطلب البقاء، ولم يطلب فرصة أخرى، ولم يحاول أن يستدرّ عاطفة أو يفتح بابًا يعرف في داخله أنه أُغلق منذ زمن. كان يعلم، للمرة الأولى بوضوحٍ لا يقبل المراوغة، أن بعض الأشياء إذا انكسرت لا تعود كما كانت مهما طال الزمن، وأن الحب لا يمكن المطالبة به بعد هذا القدر من الهجر والغياب والتأجيل. كان واقفًا هناك، مستعدًا للرحيل كما جاء، خفيف اليدين، لا يحمل سوى اعترافٍ صادقٍ تأخّر كثيرًا، لكنه جاء أخيرًا بلا شروط ولا مطالب.
⬅️ باقي القصة في الصفحة التالية (رقم 2)…