تركها تمضي… فوجد السلام الذي لم يمنحه له النجاح

تركها تمضي… فوجد السلام الذي لم يمنحه له النجاح

عندها فعلت ميرا شيئًا لم يتوقّعه. لم تتراجع، ولم تُدِر وجهها، ولم تترك الصمت يبتلع اللحظة. مدّت يدها ببطء، ولمست الصندوق الخشبي كما لو كانت تلمس سنواتٍ كاملة مضت، ثم رفعت يدها ولمست معصمه بخفّة، لمسة قصيرة لكنها ثابتة، كأنها تثبّت اللحظة قبل أن تفلت إلى الأبد. وقالت بهدوءٍ نابع من تجربة طويلة مع الألم إن التسامح لا يعني النسيان، ولا محو ما حدث، بل التحرّر من ثقل الماضي ومن سلطته على الحاضر. قالت إنها لا تستطيع أن تعد بالحب من جديد، ولا بإعادة ما مضى، ولا بفتح صفحة قديمة، لكنها تستطيع أن تمنح السلام… سلامًا يتيح لكلٍّ منهما أن يمضي دون قيود إضافية.
وكان ذلك كافيًا.
شعر إيثان بأن شيئًا ما قد انحلّ في داخله، كعقدة ظلّت مشدودة سنوات طويلة ثم ارتخت أخيرًا. لم يكن الشعور ألمًا، بل راحة عميقة وصامتة، تشبه أن تضع حملًا ثقيلًا بعد مسيرٍ طويل دون أن تنتبه إلى وزنه إلا عند نزوله. شعر بأن صدره اتّسع، وبأن أنفاسه عادت أكثر انتظامًا.

وحين ابتعد خطوة، ثم أخرى، التفت ورآها تعود إلى عملها، تجثو من جديد على الأرض الداكنة، كما كانت قبل أن يصل، وكأن اللقاء لم يقطع إيقاع حياتها بل مرّ بهدوء. كانت يداها ترتجفان قليلًا، ارتجافًا بشريًا لا يُخفي قوة داخلية، لكن حركتها بقيت ثابتة، صبورة، كما كانت دائمًا. عندها أدرك أن الهدية الحقيقية لم تكن البيت، ولا المفتاح، ولا أي فعل مادي، بل الاعتذار الذي امتلك أخيرًا الشجاعة ليقدّمه دون انتظار مقابل أو نتيجة.
وحين غادر، محاطًا بضوء الغروب الذهبي الذي لفّ الحقل بهدوءٍ حنون، شعر إيثان بأن خطواته أخفّ مما كانت عليه حين جاء. كان الضوء يتسلّل بين سنابل الذرة، يرسم ظلالًا طويلة على الأرض، وكأن النهار نفسه يطوي صفحة أخيرة قبل أن ينسحب بصمت. ابتسم ابتسامة لم يعرفها من قبل، ابتسامة خالية من الحسابات، لا تشبه ابتسامات الاجتماعات ولا صور الإنجازات ولا لحظات التوقيع على الصفقات الكبرى. لم تكن ابتسامة رجل ناجح أضاف إنجازًا جديدًا إلى سجلّه، ولا ابتسامة انتصارٍ متأخر، بل ابتسامة إنسان فهم أخيرًا قيمة ما فقده، وقيمة ما لا يمكن تعويضه مهما تعاظمت النجاحات وتكاثرت الأرقام.

أدرك، وهو يبتعد شيئًا فشيئًا، أن بعض القصص لا كُتبت لتُغلق بنهايات رومانسية، ولا لتُرمَّم بوعود جديدة، ولا لتُبعث من جديد بمحاولات إصلاح متأخرة تأتي بعد أن يكون القلب قد تعلّم طريقه الخاص. بعض القصص تنتهي حين يصل أصحابها إلى الفهم، لا حين يتصافحون، وتنتهي حين يولد الاحترام، لا حين تُستعاد المشاعر القديمة. تنتهي حين يمتلك الإنسان الشجاعة ليقف أمام ماضيه كما هو، دون إنكار، ودون تبرير، ودون محاولة لتجميله أو محوه.
وفي ذلك الفهم الهادئ، وجد إيثان سلامًا لم يمنحه إياه النجاح يومًا. سلامًا لا يحتاج إلى تصفيق، ولا إلى شهود. سلامًا ينبع من الاعتراف، ومن القبول، ومن إدراك أن الخسارة أحيانًا لا تُعالج بالاسترداد، بل بالفهم والتخلّي.

أحيانًا، يكون أعظم دليل على الحب ليس الإصرار، ولا التمسّك بما لم يعد ممكنًا، ولا السعي لإعادة ما كُسر بالقوة أو العناد. ليس في مطاردة الماضي ولا في استنزاف الحاضر بحثًا عمّا انتهى.
بل يكون أعظم دليل على الحب هو الاعتراف الصادق، وإعادة ما يجب إعادته دون انتظار مقابل، وترك الآخر يمضي بسلام، دون شعور بالذنب أو المطالبة بشيء في المقابل. ثم المضيّ قدمًا أنت أيضًا، أخفّ قلبًا، وأصدق مع نفسك، وأكثر قدرة على العيش دون أثقال قديمة، ودون وعود لم تعد قابلة للتحقق.
فبعض النهايات، وإن بدت هادئة وبسيطة، تكون في حقيقتها بدايات جديدة… لكنها تبدأ من الداخل.