نباح في المطار كشف خيانة وأنقذ حياة أم وطفلها
كانت غرفة التفتيش مكعّبًا أبيض بلا نوافذ، مضاءة بأنابيب فلورية تطنّ بإزعاج. جلست خيمينا على كرسي معدني، تحتضن بطنها، بينما راقبها ميندوزا وشرطية تُدعى الرقيب رييس. كان روكو مستلقيًا قرب الباب، لكن أذنيه ظلّتا متأهبتين، وعيناه الذهبيتان مثبتتان عليها بكثافة جعلتها ترتجف.
قالت رييس وهي ترتدي قفازات لاتكس:
— سيدة مونتيس، أحتاج أن ترفعي الفستان وتُظهرِي الجهاز الذي تتحدثين عنه.
امتثلت خيمينا بيدين مرتجفتين. رفعت القماش الفضفاض ذي العلامة المصمّمة الذي اشترته لها إيزابيلا. كان ملتصقًا بجانبها الأيمن، تحت الأضلاع، جهاز مستطيل مثبت بضماد طبي شفاف عالي التقنية. شاشة رقمية صغيرة وأنبوب رفيع يختفي داخل لحمها عبر قسطرة تحت الجلد.
— هو للفيتامينات — أعادت، وصوتها مكسور بالبكاء — قال الطبيب إن حملي عالي الخطورة وأحتاج تغذية مستمرة أثناء السفر.
اقترب ميندوزا عابسًا:
— رأيت مضخّات أنسولين ومضخّات علاج كيميائي. لم أرَ مضخّة فيتامينات بهذا الشكل. يا فارغاس، اتصل بغيرمان، فني المتفجرات والأجهزة الطبية. حالًا.
كان فارغاس متكئًا على الحائط يتفحّص هاتفه بقلق، فتأفّف:
— ميندوزا، أنت مهووس. إنه علاج للأثرياء. دعها تذهب، فقد فاتتها الرحلة أصلًا.
— اتصل بغيرمان! — صرخ ميندوزا ضاربًا الطاولة. خرج فارغاس يتمتم بالشتائم.
وأثناء الانتظار، نظرت خيمينا إلى الجهاز. كانت الشاشة تُظهر أرقامًا حمراء. ظنّت دائمًا أنها جرعات، لكنها الآن لاحظت شيئًا مريبًا. الأرقام لم تكن ثابتة؛ كانت تتناقص.
01:15:32… 01:15:31… 01:15:30…
همست:
— إنها عدٌّ تنازلي.
انحنى ميندوزا فجأة:
— ماذا قلتِ؟
— الأرقام… تعدّ إلى الخلف. لماذا تمتلك مضخّة فيتامينات عدًّا تنازليًا؟
دخل غيرمان بالاثيوس في تلك اللحظة بحقيبة مليئة بالماسحات. رجل قصير أصلع بنظارات سميكة، لا يضيّع الوقت في المجاملات. ما إن رأى الجهاز حتى تحوّل لون بشرته من الشحوب إلى الرمادي.
— أحتاج أن يبتعد الجميع، باستثناء المريضة — قال بتوتّر — هذا ليس جهاز تسريب قياسيًا. إنه جهاز معدّل.
مرّر ماسحًا يدويًا فوق الجهاز فأصدر صفيرًا حادًا متواصلًا.
— سيدتي، لا تتحرّكي. ولا مليمترًا واحدًا.
— ما هو؟ هل هو قنبلة؟ — سألت خيمينا وقد خنقها الهلع.
— ليس متفجّرًا تقليديًا — قال غيرمان وهو يقطع الضماد بحذر دون لمس الجهاز — إنه حاقن ضغط مزدوج. يحتوي على حجرتين: واحدة صغيرة تُفرغ شيئًا الآن، وأخرى كبيرة محكمة الإغلاق، مبرمجة لتُفتح عندما يصل العدّ إلى الصفر.
— وماذا يحدث عند الصفر؟ — سأل ميندوزا من عند الباب.
نظر غيرمان إلى الساعة:
— تبقّى ساعة وأربع عشرة دقيقة. وفق حساباتي، وبناءً على موعد رحلة زوجك… كان العدّ مضبوطًا ليصل إلى الصفر عندما تكون الطائرة في منتصف الطريق فوق المحيط الهادئ، بعيدًا عن أي مطار.
بيدين كيدَي جرّاح، سحب غيرمان القسطرة من جسد خيمينا. أطلقت أنّة ألم مكتومة، لكن راحة فورية
تبعتها. وضع الجهاز داخل صندوق أمان شفاف مُحكم الإغلاق.
— إلى المختبر. أحتاج تحليل السائل في الحجرتين. وسيدة مونتيس… يجب أن يفحصك طبيب فورًا. ما كان يتسرّب إلى جسدك خلال الساعة الماضية يجب أن نعرفه.
بعد نصف ساعة، انهار عالم خيمينا للمرة الثانية ذلك اليوم.
كانت مستلقية على نقالة في عيادة المطار، موصولة بأجهزة مراقبة القلب. دخل ميندوزا، وجهه قناع من غضب مكبوت، وبرفقته غيرمان.
— وجدنا الأمر — قال غيرمان — الحجرة الأولى تحتوي على هيبارين مخفّف. إنه مضاد تخثّر.
— ولماذا؟ — سألت خيمينا.
— لتهيئة جسدك — أجاب بصراحة قاسية — الهيبارين يرقّق الدم. أما الحجرة الثانية… التي كانت ستفتح في الجو… فكانت تحتوي على جرعة هائلة ومركّزة من الوارفارين وعوامل كيميائية تآكلية أخرى.
وضعت خيمينا يديها على فمها. تابع ميندوزا بصوت جهوري:
— سيدة مونتيس، لو فُعّل الجهاز في الطائرة، لكنتِ عانيتِ نزيفًا داخليًا هائلًا خلال دقائق. لبدت الحالة مضاعفاتٍ توليدية مفاجئة: انفصال مشيمة، ربما. لما اشتبه أحد بجريمة. لقيل إنها مأساة طبية بسبب عمرك وحالتك. كنتِ وطفلك ستموتان قبل أن تتمكّن الطائرة من الهبوط الاضطراري.
— جريمة ؟ — بدت الكلمة غريبة على لسانها — من يريد التخلص مني؟ أنا معلمة متقاعدة، لا مال لدي ولا أعداء.
أخرج ميندوزا جهازه اللاسلكي:
— وضعنا الضابط فارغاس رهن الاحتجاز. وجدنا رسائل على هاتفه. دُفع له عشرون مليون بيزو لتمريرك دون تفتيش. الرسالة من رقم مؤقّت، والتعليمات واضحة: «تأكّد من صعودها الطائرة. الباقي يتكفّل به الطرد».
أغمضت خيمينا عينيها، فحضرت صورة إيزابيلا. إيزابيلا التي أصرّت على السفر. إيزابيلا التي أخذتها إلى الدكتور سيرّانو. إيزابيلا التي دفعت نقدًا. إيزابيلا التي همست لخافيير أن يتركها.
همست:
— إنها هي. إيزابيلا.
تحرّك التحقيق بسرعة مذهلة. تواصل ميندوزا مع السلطات المكسيكية. كانت رحلة خافيير على وشك الهبوط. وبينما نسّقت الشرطة القبض الدولي، واجهت خيمينا حقيقة أشدّ ألمًا بوصول أختها كلوديا، التي اقتحمت المستشفى كإعصار.
كانت كلوديا دائمًا تشكّ في خافيير: «مثالي أكثر من اللازم، ضعيف أكثر من اللازم». كانت قد استأجرت محقّقًا خاصًا قبل أشهر، تشكّ في إخفائه أصولًا. ما وجده المحقّق، وعرضه الآن على خيمينا عبر حاسوب محمول على سرير المستشفى، كان القطعة الأخيرة من اللغز المروّع.
لم يكن خافيير وحده. كان دمية. لم تكن إيزابيلا دوران مجرّد مديرة أعمال؛ الوثائق ربطتها بشركات وهمية لغسل أموال كارتل مكسيكي. والأكثر رعبًا: وصية مزوّرة، وثيقة يُفترض أن خيمينا وقّعتها، تتنازل فيها عن كل حقوق موسيقى خافيير وأصوله لصندوق ائتماني تسيطر عليه إيزابيلا في حال «حدث مكروه للعائلة».
قالت كلوديا وهي ترتجف غضبًا:
— الطفل… الطفل أفسد كل شيء. وريث شرعي سيعقّد نقل الأصول. كانوا يحتاجون موتك وموت الطفل. وخافيير… أحمق إلى درجة أنه وقّع حكمه دون أن يدري.
في تلك اللحظة، ظهرت نشرة عاجلة على تلفاز الغرفة: «مأساة في بوغوتا: العثور على طبيب النساء المعروف الدكتور ريكاردو سيرّانو ميتًا في عيادته. يُرجّح الانتحار».
لعن ميندوزا:
— ينظّفون الخيوط. سيدة مونتيس، لستِ آمنة هنا. يعرفون أنهم فشلوا. يعرفون أنكِ على قيد الحياة.
تحوّلت الليلة إلى كابوس من تنقّلات سرّية. أُخرجت خيمينا من المطار في سيارة إسعاف مدرّعة إلى مستشفى جامعي باسم مستعار. نُقل روكو، الكلب البطل، إلى حظيرة أمنية، وحتى هناك حاولت الجريمة الوصول إليه؛ أُحبطت محاولة اختطافه، إذ كان شمّه الدليل الأساسي الذي ربط الجهاز بمواد الكارتل.
⬅️ باقي القصة في الصفحة التالية (رقم 3)…

تعليقات