تجاهلها الجميع… فأنقذت ابنة الملياردير وحدها
لم يسمع أحدٌ البكاء خلف رصيف التحميل في تلك الليلة.
كانت المدينة نائمة، واثقةً وغافلة، فيما كانت أضواءُ المجمّع الصناعي تومض كنجومٍ متعبة. لم ينتبه أحدٌ للصوت المتسلّل عبر الهواء البارد—لا أحد سوى عاملةِ النظافة التي اعتادت البقاء حتى وقتٍ متأخر.
كانت تؤمن أن ترك العمل غير مكتمل يجلب سوء الحظ. المغادرة قبل جولةٍ أخيرة بدت لها أمرًا خاطئًا، كأنها تُغري القدر. كان ذلك درسًا تعلّمته منذ سنوات من جدّتها—امرأةٌ قضت حياتها تنظّف بيوت الآخرين، وكانت تقسم أن المصير يراقب من يبتعدون باكرًا.
كان مكنسها مسنودًا إلى الجدار حين سمعت الصوت.
صوتًا غريبًا.
خفيفًا.
مكسورًا.
يكاد يبتلعه أزيز المرور البعيد والريح المتسرّبة عبر الأبواب المعدنية.
في البداية ظنّته قطةً ضالّة. أو كيسًا بلاستيكيًا عالقًا في النسيم.
لكن شيئًا فيه جعل جلدها يقشعرّ.
تتبّعت الصوت حتى وصلت إلى حاويةٍ معدنية خضراء قرب ممرّ التحميل، غطاؤها غائر، وجوانبها ملطّخة بآثار سنواتٍ من الشحوم والإهمال.
وحين رفعت الغطاء، انقطع الهواء عن رئتيها.
في الداخل—ملفوفةً بكرتونٍ ممزّق وأقمشةٍ متّسخة—كانت طفلةٌ صغيرة.
كانت ترتجف. عيناها نصف مفتوحتين، وأنفاسها غير منتظمة. كان وجهها مكدومًا، ويداها باردتين كالجليد، وتحمل ملامحها شيئًا لا ينبغي لأيّ طفلٍ أن يرتديه: خوفًا تعلّمته مبكرًا.
بدا العالم كأنه انكمش.
اختفى الضجيج.
لم يبقَ سوى المرأة… والطفلة التي لم يحمِها أحد.
تعرّفت إلى الطفلة فورًا، رغم أنها لم ترها قطّ من قبل.
لأن ذلك الوجه كان في كل مكان منذ ثلاثة أيام.
ابنة الملياردير.
مفقودة منذ اثنتين وسبعين ساعة.
مدينةٌ بأكملها تبحث. مروحيات في السماء. نشرات أخبار عاجلة. كاميرات. لوحات إعلانية. مكافأةٌ ضخمة، كأن المال يحاول شراء طمأنينةٍ جماعية.
لم تصرخ عاملةُ النظافة.
لم تتصل بالأمن.
لم تفكّر في المكافأة ولا في العواقب.
صعدت إلى داخل الحاوية بحذر، متجاهلةً برودة المعدن التي ضغطت على ركبتيها.
لفّت الطفلة بمعطفها الخاص—المعطف الذي ترتديه في نوبات الليل، المهترئ لكنه ما يزال دافئًا—وضمّتها برفق إلى صدرها.
همست بكلماتٍ بلا معنى. أصواتٍ لينة. وعودٍ تولد من الغريزة وحدها.
حملت الطفلة إلى الليل كأن العالم قد انحصر في دقّتين للقلب—دقّتها ودقّة الطفلة.
سارت بسرعة، لكنها لم تركض، خوفًا من أن تكسر حركةٌ مفاجئة شيئًا هشًّا لا يُرى.
لم يوقفها أحد.
لم يلاحظها أحد.
كان المستشفى شبه خالٍ. أضواء بيضاء. رائحة مطهّرات. صمتٌ لا يقطعه سوى وقع خطواتٍ بعيدة.
تحرّك الأطباء بسرعة، لكن الطفلة رفضت أن تترك يد المرأة، وتشبّثت بها بقوةٍ مدهشة—كأن الإفلات يعني أن تختفي من جديد.
بقيت عاملةُ النظافة. جلست بصلابة. ملابسها متّسخة. لم تطلب شيئًا.
بعد ساعات، اندفعت الأبواب بقوة.
وصل الملياردير مذعورًا، بعينين غائرتين، وربطة عنقٍ معوجّة، ووجهٍ دمّرته أيامٌ بلا نوم.
تجمّد حين رآهما.
ابنته.
حيّة.
وغريبة تمسك بيدها.
همس أحدهم خلفه:
— من هذه؟
لكنه لم يستطع سوى التحديق في المرأة، عاجزًا عن فهم سبب وجودها هناك.
— لماذا هي؟ —سأل أخيرًا، وصوته ينكسر تحت ثقل السؤال.
فتحت الطفلة عينيها ببطء. نظرت إلى عاملة النظافة. ثم إلى أبيها.
— لأن… —قالت بهدوء، وهي تبتلع ريقها— لأنها كانت الوحيدة التي بحثت عني.
تلك الجملة حطّمته أكثر مما فعلت أيام الرعب الثلاثة كلها.
المال لم ينقذ ابنته.
النفوذ لم يحمِها.
الكاميرات، والحراس، والأنظمة—لم يلاحظ أيٌّ منها أنها اختفت.
المرأة التي تجاهلها الجميع هي التي لاحظت.
وصل المحقّقون بعد ذلك بقليل، يطرحون الأسئلة، ويجمعون الساعات التي لا يرغب أحد في تذكّرها.
واكتشفوا الحقيقة: لم يكن اختطافًا عشوائيًا. ولم يكن من أجل فدية.
لقد تُركت الطفلة عمدًا.
على يد شخصٍ مقرّب.
شخصٍ حاقد.
شخصٍ ظنّ، في لحظة عتمةٍ داخلية، أن الملياردير يستحق أن يُجرَّد من أغلى ما يملك، لا بدافع المال،
بل بدافع الانتقام.
استمعت عاملةُ النظافة من زاوية الغرفة، واقفةً قرب الجدار، كما اعتادت دائمًا. لم يجلسها أحد، ولم يسألها أحد إن كانت متعبة. عادت تلقائيًا إلى خفائها المألوف، ذلك الخفاء الذي لبسته سنواتٍ حتى صار جزءًا من جلدها، بينما كانت الحقيقة تتشكّل أمام الجميع كأحجيةٍ قاسية، قطعةً بعد قطعة، دون رحمة.
⬅️ باقي القصة في الصفحة التالية (رقم 2)…

تعليقات