قالوا إن بناته لن يُبصرن أبدًا… حتى تدخّل شخص تجاهله الجميع
«شخصٌ يعرف أن بناتك لسن كفيفات.»
سكت المكان.
شرحت—الانعكاس، والفحوص التي لم تُجرَ، والحقيقة التي خشي الجرّاحون مواجهتها.
«الثروة تُخيف الأطباء»، قالت ليليان. «فيختارون التشخيص الأكثر أمانًا. بلا جراحة. بلا مخاطرة. بلا عناوين.»
مدّت إحدى التوائم يدها الصغيرة نحو مصدر الصوت، كأنها تلتقط خيطًا غير مرئي يقودها في العتمة. لم تكن حركة عشوائية، ولا استجابةً عابرة. كانت يدًا تبحث، وتطلب، وتثق على نحوٍ غريزيّ بشيءٍ لم تفهمه بعد.
تجمّد إيثان في مكانه.
في تلك اللحظة، سقطت كل الجدران التي بناها داخله خلال ثلاث سنوات. كل الخوف. كل الحذر. كل محاولات الإقناع بأن «هذا هو الواقع». لم يحتج إلى مزيدٍ من الفحوص، ولا إلى تقارير مطبوعة، ولا إلى آراء خبراء آخرين.
كان ذلك كافيًا لإيثان.
خلال ساعات قليلة، تحرّك كل شيء. السيارات. الاتصالات. الأوامر. عادوا إلى مستشفى سانت غابرييل، لكن هذه المرة لم يكن الأب المكسور الذي جاء قبل سنوات طالبًا تفسيرًا. كان أبًا غاضبًا، خائفًا، ومصمّمًا على سماع الحقيقة كاملة، مهما كانت مؤلمة.
ارتبك الأطباء حين دخلت ليليان بخطوات ثابتة، رغم ملابسها البسيطة ونظراتهم المترددة. لم ترفع صوتها، ولم تُلقِ محاضرة. اكتفت بجملة واحدة:
«أريد اختبار المصباح اليدوي. الآن.»
ساد توترٌ واضح. تبادل الأطباء النظرات. أحدهم حاول الاعتراض، وآخر حاول التبرير. لكن إيثان لم يمنحهم فرصة.
«افعلوا ما تطلبه.»
حين أُطفئت الأضواء، وسُلّط الضوء الصغير على أعين الطفلات، ظهر الانعكاس فورًا. واضحًا. صارخًا. لا يمكن إنكاره.
وميض أبيض في الحدقات الثلاث.
ساد الصمت الغرفة.
صمتٌ ثقيل، محمّل بالأسئلة والندم.
«سادّات خلقية…» همس أحد الأطباء أخيرًا، وكأنه يخشى أن يسمع نفسه. «حالة شديدة… لكنها قابلة للعلاج.»
في تلك اللحظة، شعر إيثان بالغثيان. لم يكن ألمًا جسديًا فقط، بل انهيارًا داخليًا. تذكّر كل ليلةٍ بكت فيها بناته. كل مرةٍ اصطدمن فيها بالجدران. كل خوفٍ عاشه وهو يحاول حمايتهن من عالمٍ اعتقد أنه سيبقى مظلمًا إلى الأبد.
ثلاث سنوات.
ثلاث سنوات مسروقة.
لم يكن يعرف ممن تحديدًا، لكن الإحساس بالخسارة كان خانقًا.
بعد ذلك، تسارعت الأمور على نحوٍ لم يترك مجالًا للتراجع. جداول العمليات تغيّرت. فرقٌ طبية استُدعيت. تقارير أُعيدت كتابتها. وكأن المستشفى بأكمله يحاول أن يعوّض الزمن، ولو جزئيًا.
لم تستطع ليليان إجراء الجراحة—فرخصتها كانت قد سُحبت منذ سنوات—لكنها لم تبتعد. كانت حاضرة في كل تفصيل. وقفت خلف الجرّاحين، تشير بهدوء إلى وضعية يد، أو زاوية أداة، أو حركة دقيقة قد تغيّر النتيجة كلها. كانت ترى ما لا يرونه، بخبرةٍ تراكمت عبر مئات الحالات، وبقلبٍ لم يفقد إحساسه رغم كل ما خسره.
تحدّثت بسلطةٍ هادئة، لا تحمل غرورًا ولا رغبة في إثبات الذات، بل يقينًا نابعًا من معرفةٍ عميقة. كانوا يستمعون، حتى أولئك الذين تجاهلوها في البداية. لأن الحقيقة، حين تُقال بوضوح، تفرض نفسها.
مرّت ثلاثة أيام ثقيلة.
كان إيثان يقف خلف الزجاج، يراقب الأجساد الصغيرة المتصلة بالأجهزة، ويشعر بالعجز ذاته الذي شعر به يوم ولادتهن، لكن هذه المرة كان الأمل حاضرًا، هشًّا، لكنه موجود.
وحين جاء وقت إزالة الضمادات، توقّف الزمن.
اقترب الجميع. الأطباء. الممرضات. إيثان. وليليان، التي وقفت في الخلف، كأنها تخشى أن تحلم أكثر مما ينبغي.
أُزيلت الضمادات ببطء.
رمشت الفتيات.
ثم شهقن.
لم يكن شهوقًا من الخوف، بل من الدهشة.
من الاكتشاف.
ضوء.
ألوان.
ظلال تتحرّك.
ثم وجوه.
تردّدت اللحظة، كأن العقول الصغيرة تحاول أن تفهم ما يحدث. ثم حدث ما لم يتوقّعه أحد.
لم يركضن نحو أبيهن.
لم يمددن أذرعهن إلى الصوت الذي عرفنه طويلًا.
بل التفتن نحو ليليان.
نحو المرأة التي حفظن صوتها قبل أن يعرفن شكل العالم.
نحو النبرة التي منحتهم الطمأنينة حين كان كل شيء غامضًا.
ركضن نحوها بخطوات غير متّزنة، وضحكات مرتبكة، وأذرع مفتوحة.
انهارت ليليان على ركبتيها. لم تحاول أن تبدو قوية. لم تُخفِ دموعها. كانت تبكي كما لم تبكِ منذ سنوات، بينما أحاطتها ثلاث طفلات، صغيرات، لكن وجودهن ملأ المكان حياةً دفعةً واحدة.
راقب إيثان المشهد والدموع تنهمر على وجهه بلا خجل. أدرك في تلك اللحظة حقيقةً لم يكن مستعدًا لها:
أن أول من رأتْه بناته رؤيةً حقيقية… لم يكن هو، ولا الأطباء، ولا العالم الذي دفع المال لأجله.
كانت المتسوّلة التي لفظها العالم.
المرأة التي لم يتوقّف حدسها عن الرؤية، حتى حين توقّف العالم عن رؤيتها.
وإن كانت هذه القصة قد أثّرت فيك، فتخيّل ما الذي قد يحدث بعد ذلك.
هل كنت ستثق بغريبٍ بكل ما تحب؟
أم كنت ستفعل ما فعله إيثان… وتسمع، أخيرًا، الصوت الذي تجاهلته طويلًا؟

تعليقات