أهانوا أمي أمام 204 أشخاص… فكان هذا ردّي
فقد خسرت أشياء أيضًا.
خسرت الوهم القديم بأن الحب قادر على تبرير كل شيء.
خسرت حياة مريحة كانت تقوم على الصمت والتنازل.
وخسرت النسخة الساذجة من نفسي،
تلك التي كانت تظن أن الصبر وحده كافٍ ليصنع الاحترام.
كانت هناك ليالٍ طويلة،
ليالٍ صامتة،
تساءلت فيها إن كنت قد ذهبت بعيدًا أكثر مما ينبغي،
إن كنت قد قسوت،
إن كنت قد أحرقت جسورًا كان يمكن إصلاحها.
ثم كنت أنظر إلى أمي.
إلى كارمن.
لم أكن أحتاج أن أسألها إن كانت بخير،
كنت أراها تتغيّر أمامي يومًا بعد يوم.
رأيتها تبدأ بالابتسام من جديد،
ابتسامة بطيئة،
حذرة،
كأنها تخشى أن تُكذَّب إن أسرعت.
ابتسامة تشبه خطوات طفلٍ يتعلّم المشي بعد سقوطٍ موجع،
لا يركض،
لا يثق بالأرض تمامًا،
لكنه يحاول.
رأيتها تمشي ورأسها مرفوع أكثر،
لا تحدّق في الأرض كما اعتادت،
ولا تعتذر بنظراتها عن وجودها.
وكأن ظهرها،
ذلك الظهر الذي انحنى ثلاثين عامًا تحت ثقل التعب والعمل الصامت،
بدأ يستقيم أخيرًا،
لا لأن الحمل زال،
بل لأنها لم تعد تشعر بالخجل من حمله.
وفي أحد الأيام،
بينما كنّا نجلس في المطبخ نحتسي القهوة،
قالت لي جملة عابرة،
لكنها اخترقتني إلى العمق:
— شكرًا لأنك لم تتركيني وحدي حين ضحكوا عليّ.
لم ترفع صوتها.
لم تبكِ.
قالتها ببساطة،
وكأنها تقول حقيقة كانت تنتظر الاعتراف بها منذ سنوات.
في تلك اللحظة،
أدركت يقينًا أنني لم أخسر شيئًا يستحق الندم.
أن كل ما ظننته خسارة
كان في الحقيقة تخلّيًا ضروريًا عمّا لا يشبهني.
بعد عام،
افتتحت شركة صغيرة للاستشارات المالية الأخلاقية.
لم تكن ضخمة،
لم تتصدّر الصحف،
ولم تُغرقني بالأضواء،
لكنها كانت نظيفة…
صادقة…
وتشبهني.
كانت مكانًا لا يُكافَأ فيه الصمت بالإهمال،
ولا يُستغل فيه الجهد باسم “الفرصة”.
وظّفت نساءً مثل أمي:
نساءً غير مرئيات للنظام،
لكن لا غنى عنهن للحياة،
نساءً يعرفن قيمة العمل حين يُؤدَّى بصمت،
ويفهمن أن الكرامة لا تُوهَب ولا تُستجدى،
بل تُمارَس كل يوم، في التفاصيل الصغيرة،
في الوقوف بثبات،
وفي رفض الانكسار حتى حين لا يرانا أحد.
نساءً لا يحتجن إلى إذن كي يكنّ جديرات بالاحترام،
ولا ينتظرن تصفيقًا ليشعرن بقيمتهن،
نساءً يعرفن أن الاحترام يبدأ من الداخل،
وأن من يعرف قدر نفسه
لا يسمح لأحد أن ينتقص منه.
كانت كارمن أول مدعوة في كل مناسبة.
دائمًا في الصف الأول،
حيث لا يُطلَب منها أن تختبئ،
ولا أن تصغُر كي يَكبر غيرها.
لم يكن ذلك من باب المجاملة،
ولا بدافع العاطفة وحدها،
بل اعترافًا علنيًا وصريحًا بما تمثّله في حياتي،
وبأن وجودها هناك حقٌّ أصيل،
لا منّة فيه ولا فضل لأحد به.
على جدار مكتبي صورة لنا.
ليست من يوم الزفاف الملغى،
ولا من لحظة انتصارٍ صاخبة أمام جمهورٍ يصفّق،
بل من يوم أحدٍ عادي،
نضحك فيه في المطبخ،
ضحكة صادقة،
غير متكلّفة،
لا تحتاج إلى شهود كي تكون حقيقية،
ولا إلى عدسات لتثبت وجودها.
منذ فترة قصيرة،
صادفت ألفارو في الشارع.
توقّف للحظة،
نظر إليّ كما لو كنت شخصًا لا يعرفه،
وكأن ذاكرته تبحث في ملامحي عن امرأة لم تعد موجودة.
وربما كنت كذلك فعلًا،
فالمرأة التي كانت تصمت كي لا تُحرِج أحدًا،
وتتنازل كي لا تُتَّهَم بالقسوة،
لم تعد هنا.
تابعت طريقي دون أن ألتفت،
لا انتصارًا،
ولا شماتة،
ولا رغبة في إثبات شيء،
بل سلامًا هادئًا،
سلام من يعرف أنه اختار نفسه أخيرًا.
لأنني في ذلك اليوم تعلّمت درسًا
لا تعلّمه أي حفلة زفاف،
ولا تمنحه أي وعود رومانسية مهما كانت براقة:
الحب الذي يسخر من أصلك
ليس حبًا،
مهما تجمّل بالكلمات،
ومهما تزيّن بالهدايا والوعود.
إنه قفصٌ مزيَّن بالزهور،
يبدو جميلًا من الخارج،
ناعماً،
مُطمئنًا،
يُغريك بالدخول،
ثم يُغلق عليك ببطء،
ويخنقك باسم الحب.
ولم تكن نهايتي السعيدة
في رؤيتهم يسقطون أو يختفون من المشهد،
بل في أن أتعلم، أخيرًا،
أن أنهض واقفة،
بصوتي الذي لم أعد أخفضه،
وبحدودي التي لم أعد أعتذر عنها،
ودون طلب إذن،
ودون خوف من أن أكون نفسي…
وأمي
تمسك بيدي،
بكل فخر،
كأنها تقول للعالم كله:
هذه ابنتي…
وهذا يكفي.

تعليقات