ظنّوا أن الإهانة طبيعية… حتى وقف أبٌ واحد وغيّر كل شيء
عندما سمعت ميا صوت والدها، بدا وكأن العالم بأسره قد توقّف.
تجمّد المقصف في مكانه. انقطع الضحك فجأة. اختفى صوت اصطكاك الملاعق والصواني، وكأن أحدًا أطفأ الضجيج بضغطة واحدة. تثبّتت كل العيون على الرجل الواقف أمام ميا—ملابس بسيطة، لكن
نظرات حادّة نافذة لا تخطئها عين.
كان دون ألفونسو يمسك البرغر المتّسخ بيده، ترتجف لا خوفًا، بل غضبًا كان يكافح للسيطرة عليه.
همست ميا بصوت مرتعش:
– أبي…
ثم نهضت سريعًا رغم أن ركبتيها كانتا ترتجفان.
– أ… أنا بخير…
قال دون ألفونسو بحزم، وهو ينظر إليها:
– لا.
ثم أسقط البرغر ببطء في حاوية القمامة.
– هذا لن يكون مقبولًا أبدًا.
رفع بصره ونظر حوله—إلى الأطفال الذين يرتدون ساعات باهظة الثمن، إلى الصواني المكدّسة بالطعام، إلى المعلّمين الذين اختاروا أن يشيحوا بوجوههم ويتظاهروا بعدم الرؤية.
ثم سأل بصوت بطيء ثقيل، كأن كل كلمة حجر:
– من الذي أعطى هذا لابنتي؟
لم يُجب أحد.
حتى تقدّمت ستايسي، وذراعاها معقودتان، ترسم على وجهها ابتسامة متعالية مصطنعة.
قالت بسخرية:
– سيدي، هذا مجرد مقصف. إذا كانت لا تستطيع شراء الطعام، فذلك ليس ذنبنا.
تقدّم دون ألفونسو نحوها بهدوء. لم يصرخ. لم يرفع صوته. ومع ذلك، شعر الجميع بثقل حضوره.
سألها:
– ما اسمك؟
أجابت بثقة متكلّفة:
– ستايسي. أنا ابنة رئيس البلدية.
ساد صمت قصير. شهق بعض الطلاب. بدا وكأنها ألقت بورقتها الأخيرة.
ابتسم دون ألفونسو. ابتسامة بلا دفء.
وقال:
– الآن فهمت. لهذا اعتدتِ ألا تُحاسَبي.
بعد دقائق، وصل مدير المدرسة، يتصبّب عرقًا، يرافقه عدد من المعلّمين والموظفين. كان واضحًا أن أحدهم قد أجرى اتصالًا—ولا أحد يعلم من.
تلعثم المدير قائلًا:
– سيدي، ه-هذا مجرد سوء فهم…
قاطعه دون ألفونسو بهدوء:
– هذا ليس سوء فهم. هذا نظام.
ووضع يده على كتف ميا.
– اجلسي يا ابنتي.
قالت بصوت خافت:
– أبي، لا أريد أن أسبّب مشاكل…
فأجابها:
– المشاكل موجودة هنا منذ وقت طويل.
ثم التفت إلى المدير:
– منذ كم سنة يحدث هذا؟
لم يستطع المدير الإجابة.
– كم طالبًا وصفتموهم بـ«طلاب المنح» لكنكم عاملتموهم كمتسوّلين؟
صمت.
ثم أشار إلى المعلّمين:
– وأنتم، كم مرة رأيتم هذا واخترتم أن تغضّوا الطرف؟
أنزلت إحدى المعلّمات رأسها.
ثم واجه ستايسي ومجموعتها:
– وأنتم، كم شخصًا جعلتموه يبكي قبل أن تشعروا بالملل؟
احمرّ وجه ستايسي وقالت مترددة:
– سيدي، كنّا نمزح فقط…
قال دون ألفونسو بثبات:
– المزاح ينتهي عندما يُسحق إنسان.
بحلول فترة ما بعد الظهر، انتشر الخبر—ليس في المدرسة فقط، بل في أرجاء المدينة.
ظهر اسم دون ألفونسو.
الملياردير الهادئ، مالك أكبر تكتل اقتصادي في البلاد.
المستثمر الذي يقف خلف نصف صندوق المنح الدراسية في المدرسة.
المتبرّع الرئيسي للمبنى الجديد الذي كانت المدرسة تتباهى به.
وقبل كل شيء…
والد ميا.
في اليوم التالي، تغيّر الجوّ تمامًا.
الآباء الذين اعتادوا النظر إلى غيرهم باستعلاء صاروا يزنون كلماتهم.
الطلاب الذين كانوا جريئين أصبحوا صامتين.
المعلّمون الذين كانوا باردين صاروا فجأة «مُهتمّين».
لكن هذا لم يكن ما يسعى إليه دون ألفونسو.
جمع المدرسة بأكملها في قاعة المسرح—الطلاب، والآباء، والمعلّمين، ووسائل الإعلام—الجميع.
لم يصعد إلى المنصّة فورًا.
أولًا، أجلس ميا في الصف الأمامي، إلى جانب طلاب المنح الآخرين الذين وجدوا، للمرة الأولى، الشجاعة لرفع رؤوسهم والنظر إلى الأمام.
وعندما صعد أخيرًا إلى المنصّة، لم يكن يحمل نصًا مكتوبًا.
قال:
⬅️ باقي القصة في الصفحة التالية (رقم 2)…

تعليقات