عاد من الغربة غاضبًا يطالب بالقصر… لكنه انهار باكيًا حين اكتشف الحقيقة
كانت كل أفكاره السابقة تنهار واحدة تلو الأخرى.
القصر الذي حلم به…
الواجهة التي أراد أن يُبهر بها الناس…
كل ذلك بدا الآن صغيرًا، تافهًا، أمام ما فعله أخوه بصمت.
اهتزّ صوته وهو يسأل:
«إذًا… لماذا؟»
ثم أعاد السؤال بصعوبة أكبر:
«لماذا تنام هنا؟ في هذا المكان؟»
لم يجب رامون فورًا.
نظر إلى الأرض، ثم إلى يديه النحيلتين، وكأنهما شاهدتان على قصة لم تُروَ بعد.
وببطء، بدأت الدموع تنساب على خديه، دون صراخ، دون أنين.
قال بصوت مكسور:
«لأنني أجّرتُ الكوخ القديم أيضًا. كل شيء يمكن أن يُدرّ مالًا، فعلته. لم أرد أن أضيّع قرشًا واحدًا. نمت هنا لأنه بلا تكلفة. تحمّلت البعوض، والرطوبة، والبرد، والقذارة… تحمّلت كل شيء.»
ثم رفع رأسه، ونظر مباشرة في عيني أخيه:
«تحمّلتُ هذا كله، فقط لكي تعود يومًا ولا تضطر إلى الرحيل مرة أخرى. لكي تعود رجلًا حرًا، لا عاملًا مكسورًا في بلادٍ لا ترحم. لم أُرِد لك أن تعود إلى دبي، ولا إلى أي مكانٍ يُهين تعبك. أردتك أن تعود… وتبقى.»
انهارت قدما أدريان.
سقط على ركبتيه في الوحل، غير عابئ بثيابه، ولا بالمكان، ولا بمن قد يراه.
أمسك بساقي أخيه بقوة، كأنما يخشى أن يختفي، وانفجر بالبكاء.
بكى كطفلٍ فقد أمانه لسنوات، ثم وجده فجأة.
بكى على كل اتهامٍ أطلقه،
وعلى كل ظنٍّ سيئ راوده،
وعلى كل ليلةٍ عاشها وهو يعتقد أن أخاه خان ثقته.
المال الذي ظنّه ضائعًا…
لم يكن ضائعًا أبدًا.
لقد تحوّل إلى أرضٍ تُنتج،
ومبنى يُؤمّن،
ومستقبلٍ ثابت.
لكن الأهم…
أن كل ذلك تحوّل إلى دليلٍ صامت على حبٍّ نادر، حبٍّ لا يُعلن عن نفسه، ولا يطلب مقابلًا، ولا ينتظر شكرًا أو تصفيقًا. حبٌّ عاش في الظل، واختار الصمت طريقًا، لأن غايته لم تكن أن يُرى، بل أن يحمي.
فالقصر الحقيقي لم يكن مبنى من إسمنت وحديد،
ولا بوابةً عالية،
ولا نوافذ تلمع تحت الشمس.
كان القصر الحقيقي قلبَ أخٍ أكبر،
قلبًا وسّع الصبر حتى آخره،
واحتمل المرض والتعب والحرمان،
وقبل أن ينام في أقسى الظروف،
فقط ليمنح شقيقه الأصغر حياةً كريمة،
وحلمًا لا يحتاج إلى غربة جديدة،
ولا إلى وداعٍ آخر عند بوابة مطار.
في ذلك اليوم، لم ينتظر أدريان لحظة واحدة.
لم يُفكّر، لم يُجادل، لم يحسب.
تحرّك بدافعٍ واحد فقط… الخوف على أخيه.
حمله بيديه كما تُحمل الأمانة،
وأخذه إلى أفضل مستشفى،
من دون أن يسأل عن التكلفة،
أو عن الأوراق،
أو عن الوقت.
جلس إلى جانبه ساعات طويلة،
يراقب أنفاسه،
ويُمسك بيده،
كما كان رامون يفعل معه حين كان طفلًا خائفًا من الظلام،
حين كان يقول له بصوتٍ مطمئن:
«لا تخف… أنا هنا».
وفي صمت تلك الغرفة البيضاء،
انقلبت الأدوار.
صار أدريان هو الحارس،
وصار رامون هو الذي يستند.
ووعده أدريان، لا أمام الناس،
بل أمام الله،
وأمام قلبه الذي تغيّر إلى الأبد:
أنه لن ينام على الأرض بعد اليوم،
ولن يعرف الجوع،
ولن يُهمل الألم،
ولن يُترك وحده،
مهما كانت الظروف.
في تلك الليلة، لم يمتلك أدريان قصرًا.
لم يمتلك صورة يتباهى بها،
ولا عنوانًا يعلّقه على بابٍ ضخم.
لكنه امتلك شيئًا أعظم بكثير…
امتلك الحقيقة.
حقيقة أن الثراء لا يُقاس بما نملك من جدران،
بل بمن يقف معنا حين تنهار الجدران.
امتلك أخًا
أثبت له أن أغلى ما يمكن أن يُبنى في هذه الحياة
ليس البيوت،
ولا الأبراج،
ولا القصور…
بل الوفاء.

تعليقات