قفزت في النهر لتنقذ توأمين… وبعد أسابيع عاد رجلٌ غيّر حياتها للأبد!

قفزت في النهر لتنقذ توأمين… وبعد أسابيع عاد رجلٌ غيّر حياتها للأبد!

— أذكر رجالًا في الطريق… طلقات… سقط السائق… فزعت الخيول… ثم الجسر.
— من كانوا؟
— لا أعلم.
كذبة أخرى.
عقدت غراسييلا ذراعيها. كانت تجيد تمييز الأكاذيب. عاشت بين حقائق مخفية أكثر مما ينبغي.
— هل الطفلان لك؟
تبدلت ملامحه بالكامل. صار إنسانًا هشًا.
— نعم.
— وأمهما؟
ابتلع ريقه.
— ماتت عند ولادتهما.
خفضت غراسييلا نظرها. عرفت تلك النبرة: كلمة “ماتت” حين تُقال كأنها شطر في القلب.
— الجسر ذهب — قالت بعد لحظة — والنهر ما يزال مرتفعًا. لن يمر أحد من هنا أيامًا.
أدار رأسه نحو ظلام النافذة.
— عليّ أن أرحل.
— بالكاد تستطيع الجلوس.
— أنتِ لا تفهمين. — خفّض صوته — قد يعودون.
سرت قشعريرة في جسدها.
— من؟

لم يجب. عادت الحمى لتستولي عليه، وغرق في اللاوعي يتمتم أسماءً وأوامر. راقبته غراسييلا بصمت، ثم مشت إلى الباب، أوصدته بإحكام، وأخذت بندقية ماتيو القديمة من الحائط.
إن عادوا، فسيجدونها يقظة.
استمرت الحمى يومين.
“احموا العربة”، “لا تدعوهم يلمسون الأطفال”، “راميرو لا…” كانت شذرات يرددها في هذيانه. كانت تسقيه الماء قسرًا، تبدّل الكمادات الباردة، تطعم الطفلين من لبن الماعز، تغطيهما، تغيّر لفائفهما، وتغني بصوتٍ خافت لتهدئتهما. تعلّمت تمييزهما دون تفكير: صاحب العلامة خلف الأذن أكثر اندفاعًا، والآخر أكثر تأملًا.
حين انخفضت الحمى أخيرًا، استيقظ ضعيفًا، متعرقًا، كأنه يخجل من بقائه حيًا.
— ما اسماهما؟ — سألت غراسييلا وهي تنظر إلى الطفلين.
— توماس وخوليان.
— أيهما توماس؟
— صاحب العلامة.
ابتسمت قليلًا.
— كنت أسميه “الشجاع”.
كاد يبتسم هو أيضًا.
لاحقًا، بينما كانت تهدهد توماس إثر حمى خفيفة أرعبتها حتى الأعماق، كان يراقبها ساعاتٍ وهو يحمل خوليان. وعندما هدأ الطفل أخيرًا ونام، أطلق زفرة كمن نجا من حربٍ أخرى.

— شكرًا — قال، ولم تكن مجاملة هذه المرة — ليس كل أحد ليفعل ما فعلتِه.
— ربما — أجابت دون أن ترفع عينيها عن الطفل — لكن كان لا بد لأحد أن يفعل.
صمت طويل.
ثم قال دون أن ينظر إليها:
— لا اسمي إنريكي.
رفعت عينيها.
— أعلم.
أطلق ضحكة متعبة.
— اسمي أليخاندرو دي مونتيفيردي. تملك عائلتي ضيعة سومبريريت وأراضي أخرى. ابن عمي راميرو هو الوريث التالي إن متُّ… وإن مات أبنائي.
وقع الاسم في المطبخ بثقل جرس.
— أرسل ابن عمك من يقتلك؟
— لا دليل لدي… بعد. لكني واثق.
— وماذا تنوي أن تفعل؟
نظر إلى طفليه.
— أبقى حيًا. وأحصل على الدليل.
نظرت غراسييلا إلى المطر خلف النافذة، ثم إلى الطفلين، ثم إليه.

— إذن ابقَ هنا — قالت قبل أن يتغلب الخوف عليها — إن ظنوا أن النهر ابتلعكم، فهذا آخر مكان سيبحثون فيه.
نظر إليها كما لو لم يصدق ما سمع.
— أتدركين خطورة ذلك؟
— نعم.
— ومع ذلك؟
شدّت شالها حول توماس.
— لا يستحق طفل أن يدفع ثمن طموح رجل. ولا أنت… رغم أنك تكذب بسوء.
ابتسم أليخاندرو للمرة الأولى بصدق.
صارت الأسابيع التالية روتينًا غريبًا، خطرًا… وشبيهًا أكثر مما ينبغي بالعائلة.
كانت غراسييلا تستيقظ عند الفجر، تحلب، تطهو، تبدّل لفائف مصنوعة من أغطية قديمة. كان أليخاندرو، ما يزال ضعيفًا، يبقى مع الطفلين قرب الموقد، ثم يتبادلان الأدوار. في الليل، ينام أحدهما ويسهر الآخر.
حميمية وُلدت من الحاجة، لكنها لم تكن أقل حقيقة.
أحيانًا كانت تدخل فتجده وخوليان نائمًا على صدره، يدندن لحنًا بلا كلمات. وأحيانًا كان يراها تعبر المطبخ حاملة توماس، وفي تلك اللحظات كان البيت ينسى تهديد العالم.

وذلك كان ما يخيفها أكثر من المطر.
لأن أليخاندرو سيرحل. له اسم وضيعة وأعداء والتزامات. أما هي… فهي أرملة بمزرعة صغيرة، طين تحت الأظافر وندوب لا تُرى.
ذات مساء، وقد انخفض منسوب النهر وصار يستطيع المشي إلى الرواق، قال:
— أرسلت رسالة.
تجمدت غراسييلا وفي يدها كيس ملح.
— إلى من؟
— إلى حليف قديم لأبي. الجنرال إغناسيو فالديس في العاصمة. إن كان ثمة من يستطيع أن يطرق بابًا
لا يشتريه راميرو، فهو.
— أرسلتها دون أن تخبرني؟ — اشتعل غضبها — وإن تتبعوا الأثر؟ وإن جاؤوا إلى هنا؟
ثبت نظره فيها.
— كان عليّ أن أحاول.
— إن جاؤوا، تأخذ أبناءك وترحل. لا تجرّ أبي وبيتي أكثر مما فعلت.
— أفهم.
وكلاهما يعلم أن الفهم لا ينفع إن جاء رجال مسلحون.
تلك الليلة لم تنم. صلت، بعدما انقطعت منذ وفاة ماتيو. صلت لأجل الطفلين… ولأجل رجل بدأت تخشى أن تحبه.
جاء الرد ليلًا مع طرقاتٍ عنيفة على الباب.
⬅️ باقي القصة في الصفحة التالية (رقم 3)…