قفزت في النهر لتنقذ توأمين… وبعد أسابيع عاد رجلٌ غيّر حياتها للأبد!
كان أليخاندرو واقفًا بسكين في يده حين خبأت غراسييلا توماس وخوليان خلف باب الغرفة. كان رسولًا شابًا مبللًا، يرتجف، يحمل رسالة مختومة.
دفع له أليخاندرو بأحد أزرار أكمامه الذهبية وأغلق الباب.
قرأ الرسالة مرتين. شحب وجهه.
— ماذا تقول؟ — همست غراسييلا.
تنفس بعمق.
— فالديس حقق. تتبع مدفوعات مزيفة، عثر على رجلين من الهجوم… شهادات، إيصالات، أسماء. راميرو
هو الفاعل. كل شيء مثبت.
— إذن انتهى الأمر.
— لا. — قبض على الرسالة — الآن يعلم أن أحدهم بدأ يبحث. عليّ الذهاب إلى العاصمة ووضع هذا في يدٍ لا تمس. إن بقيت ساكنًا، سيحاول ثانية.
شعرت الأرض تميد تحتها.
— والأطفال؟
— آخذهم معي.
— لا! — قالت بسرعة، ثم خفضت صوتها — في الطريق قد يُعرفون. اتركهم معي. اذهب، أنهِ الأمر… وعد.
نظر إليها طويلًا. كان في عينيه امتنان وشيء أخطر.
— لا أستطيع أن أطلب ذلك منك.
— لست تطلب. أنا أعرض.
أمسك وجهها بكفيه برفقٍ يكاد يحطمها.
— أنتِ أشجع من عرفت.
أغمضت عينيها لحظة.
— ارحل قبل أن أغيّر رأيي.
قبّل جبينها كعهدٍ لا كغنيمة. وعند الفجر، امتطى حصانًا استرده من المرعى وغادر.
وقفت في الرواق والطفلان بين ذراعيها، تسمع وقع الحوافر يبتعد حتى لم يبقَ سوى الريح.
انتظرت أسبوعين.
ثم ثلاثة.
ثم كفّت عن العدّ.
اشتاق توماس وخوليان إلى أبيهما، بكيا أكثر، ناما أقل. حملتهما في ليالٍ لا تنتهي، سمّتهما “ولديّ” حين لا يسمعها أحد، اختلقت قصصًا، تعلّمت الضحك مع أصواتهما… وكل ضحكة كانت تؤلمها.
في الأسبوع الرابع رأت فارسين يسألان عن الطريق قرب سياج متهدم. أطال أحدهما النظر إليها. عادت إلى البيت ويداها باردتان، ويقينها بأن “لن يأتي أحد” كان أملًا لا حقيقة.
في الأسبوع الخامس بكت بصمت وهي تطعم خوليان. بكت على ماتيو، وعلى أليخاندرو، وعلى أنها أنقذت حياة لتخشى فقدها، وعلى أنها عادت تشعر بعدما أقسمت ألا تفعل.
لمس توماس خدّها بيده الصغيرة. قبّلت أصابعه.
— سنكون بخير — همست — نحن الثلاثة.
لم تكن متأكدة.
في ذلك الصباح نفسه سمعت حوافر في الفناء.
نظرت فعرفته قبل أن ترى وجهه: طريقته في النزول عن الحصان، نظرته إلى الباب ثم إلى السماء،
كمن عاد من مواجهة الموت.
أليخاندرو.
خرجت حافية، بلا شال، بلا تفكير. لم يكن قد أفلت اللجام حين ارتمت في حضنه. شدّها إليه بقوة، يدفن وجهه في شعرها.
— أنت هنا — قالت بصوتٍ مكسور.
— أنا هنا.
— تأخرت كثيرًا.
— أعلم. سامحيني.
دخلا. جثا عند الصندوق حيث كان توماس وخوليان نائمين، ولما رآهما انكسرت صوته.
— أبنائي…
كان توماس أول من تعرّف إليه، مدّ ذراعيه وأطلق صوتًا بين الضحك والبكاء. احتضنهما أليخاندرو مرتجفًا.
استدارت غراسييلا إلى الطاولة كي لا يراها تبكي.
لم يتحدثا عن المهم يومين كاملين. كان في الهواء ما يكفي من ارتياح وخوف. أخبرها أليخاندرو بما يلزم: تحرك فالديس، قبل قاضٍ الأدلة، قُبض على راميرو وهو يحاول الفرار إلى فيراكروز. سيكون هناك محاكمة. لم يختفِ الخطر كليًا، لكنه لم يعد يحكم.
في اليوم الثالث، بينما كانت تغسل الصحون وأليخاندرو يهدهد خوليان في الرواق، قال دون تفكير:
— سأحتاج إلى مرضعة… ثم إلى معلمين. في سومبريريت يجب أن يكون كل شيء على ما يرام.
وقعت الكلمة كحجر: معلمون، نظام، سومبريريت.
استمرت في الغسل، صامتة.
أدرك خطأه سريعًا: عاد يتكلم كرجل الألقاب والخطط، وكأنها فصلٌ مفيد في قصته.
دخل المطبخ.
— غراسييلا.
جففت يديها بهدوء ونظرت إليه من مسافة.
— لم أكن أستبدلك — قال بصوتٍ عارٍ — اعتدت التفكير في الحلول كأن الناس قطع شطرنج. هناك
يتحدثون عن تحالفات ووراثات ومصالح… وكدت أدع ذلك العالم يسلبني الحقيقة الوحيدة التي وجدتها.
لم تجب.
اقترب، يحمل توماس وخوليان بين ذراعيه.
— انظري إليّ.
فعلت.
— تعالي معي إلى سومبريريت.
ارتبكت.
— ماذا؟
— لا كجميل. لا كشكر. — تنفس — كاختيار.
— لا أستطيع. ذاك ليس عالمي. أنا أرملة مزرعة، أليخاندرو. أنت مونتيفيردي. سيرونني خطأ.
— فليَرَوني كما يشاؤون. — اقترب خطوة — لا أطلب أن تنصهري في عالمي، بل أن نغيّره معًا.
ضحكت ضحكة قصيرة تشبه البكاء.
— يبدو جميلًا حتى تُغلق الأبواب.
— إذن أفتحها.
نظر إليها كما ينظر المرء إلى ما لا ينوي فقده.
— تزوجيني. كوني أم أبنائي كما أنتِ بالفعل. كوني زوجتي. لا امتنانًا. بل لأنني أحبك.
امتلأ الصمت بأنفاس الطفلين.
تذكرت النهر، والبرد، والدم، والانتظار، وماتيو، وخوف البدء من جديد… وتذكرت أن المستقبل لأول مرة لا
يبدو عقوبة.
— نعم — قالت بصوتٍ خافت — نعم.
أغمض عينيه لحظة كمن ألقى حملًا ثقيلًا. قبّلها برفقٍ كوعدٍ لا كظفر. اعترض الطفلان من الضيق بينهما، فضحكا.
وفي ذلك المطبخ الصغير، برائحة اللبن الدافئ والحطب والمطر القديم، وُلد أمرٌ غير محتمل وصادق:
عائلة.
تزوجا بعد ثلاثة أشهر في كنيسة القرية، في احتفال بسيط صادق. همسات وُجدت بالطبع، وعيون قاست فستان غراسييلا بالحكم، ورجال تمتموا أن مونتيفيردي فقد عقله.
لكن توماس وخوليان، بثياب بيضاء، ضحكا طوال القداس. وحين ناديا غراسييلا “أمي” أمام الجميع، لم يبقَ مجال كبير للشك.
في سومبريريت لم تصبح سيدة صالون بين ليلة وضحاها. أخطأت في أسماء وأدوات وبروتوكولات. نظر إليها بعضهم باستعلاء. واحترمها آخرون حين رأوا كيف تعاملت مع العمال، وكيف أدارت الحسابات بحزم، وكيف جعلت البيت الكبير حيًا.
لم يصححها أليخاندرو علنًا قط. كان إلى جانبها دائمًا. ومع الوقت تغيّرت الضيعة: تحسنت أجور العمال، فُتحت مدرسة صغيرة لأبناء العمال والأرامل، وأصرت غراسييلا ألا يُحرم أحد من الطعام “تأديبًا” أو كبرياء.
بعد سنوات، في ليلة مطرٍ هادئ، والأطفال نائمون والبيت ساكن، سمعت غراسييلا الماء على السقف وتذكرت العاصفة التي كادت تدمّرهم.
لم تعد تخاف المطر.
لأنها حين يأتي، لا تواجهه وحدها.
أحاطها أليخاندرو من الخلف.
— بم تفكرين؟
ابتسمت، تنظر إلى الفناء المبلل.
— أحيانًا يأخذ النهر جسرًا… ليجلب حياة جديدة.
قبّل صدغها.
— وكنت أظن أنني يومها خسرت كل شيء.
أمسكت يده.
— لا. ذلك اليوم وجدنا.
والمطر يواصل هطوله هادئًا فوق الضيعة، ظل الأربعة داخلها، آمنين، معًا، وأخيرًا في بيتهم.

تعليقات