حين كُسر الصمت أخيرًا: قصّة بيتٍ سُلب، وعدالةٍ تأخّرت
اسمي إلينا ماركيز، أبلغ من العمر ستةً وعشرين عامًا، وعلى مدى أشهرٍ طويلة كان روتيني اليوميّ يقتصر على الدخول إلى ملجأٍ للنساء والخروج منه في أطراف المدينة. ليس لأنني رغبت في ذلك، بل لأنني لم أملك مكانًا آخر أذهب إليه. فقدتُ عملي، ودخلتُ في خلافٍ مع والدتي، وفي غضون يومٍ واحد وجدتُ نفسي بلا مأوى. لم أطلب يومًا المساعدة من جدّي، دون رافائيل ماركيز، رجل الأعمال المليونير، لأنني كنت أريد دائمًا أن أثبت أنّني قادرة على الاعتماد على نفسي والوقوف على قدميّ وحدي.
في ظهيرة أحد الأيّام، وبينما كنتُ أخرج من الملجأ حاملةً حقيبةً قديمة، سمعتُ صوت سيارةٍ تتوقّف فجأة وبشدّة. كان جدّي. نزل من السيارة غاضبًا، وقد احمرّ وجهه من شدّة الانفعال.
صرخ قائلًا:
«ماذا تفعلين هنا؟ ولماذا لا تعيشين في المنزل الذي أعطيتُكِ إيّاه؟»
نظرتُ إليه في ذهول، وشعرتُ وكأنّ معدتي تهوي إلى الأسفل.
قلتُ بارتباك:
«أيّ منزل؟»
كانت أمّي، كارمن، قد وصلت خلفه في تلك اللحظة. شحب وجهها، وبدأت تتحدّث بسرعةٍ وتلعثم:
«أنا… كنتُ أنوي إخباركِ اليوم، لكنني… أعطيتُ المنزل لعمّتكِ إيزابيل. هي كانت بحاجةٍ إليه أكثر.»
كان الصمت قاسيًا ومفزعًا. لم ينطق جدّي بكلمةٍ واحدة لثوانٍ طويلة. ثم رفع هاتفه، واتصل برقمٍ ما، وقال بجملةٍ واحدة فقط:
«تعالوا الآن.»
وبعد ثلاثين دقيقة، توقّفت عدّة دورياتٍ للشرطة أمام منزل عمّتي.
لم يكن وصول الشرطة خطأً ولا مبالغة. فقد كان جدّي قد منح ذلك المنزل لي قانونيًا، بعقودٍ موقّعة ومسجّلة رسميًا باسمي. لم يكن لوالدتي أيّ حقّ في تسليمه إلى شخصٍ آخر. وما فعلته يُعدّ، من الناحية القانونيّة، استيلاءً غير مشروع.
خرجت عمّتي إيزابيل وهي تبكي، وتؤكّد أنّها لم تكن تعلم شيئًا، وأنّ كارمن أخبرتها بأنّ «كلّ شيءٍ محلول». أخذت الشرطة إفادات الجميع. أمّا أنا، فلم أقل شيئًا. اكتفيت بالاستماع.
شرح جدّي الأمر بهدوءٍ كان أشدّ وقعًا من الغضب. لم يرفع صوته، ولم يحتج إلى التهديد، لأنّ نبرته وحدها كانت كافية لتجعل الكلمات ثقيلة
. قال إنّه كان يراقب بصمت منذ أشهر، لا بدافع الشكّ، بل بدافع القلق الذي بدأ يتسلّل إليه شيئًا فشيئًا. فقد لاحظ تحرّكات غير مبرّرة، وتصرّفات تتمّ في الخفاء، وقرارات تُتّخذ باسم “العائلة” من دون علم أصحاب الحقّ الحقيقيين. رأى عقارات تُدار وكأنّها أوراق بلا أصحاب، و”مساعدات” تُقدَّم بسخاء من أموال وممتلكات لا يملكها من يقدّمها أصلًا. ذلك المنزل لم يكن سوى حلقة واحدة في سلسلة أطول، سلسلة ظنّ أصحابها أنّ الصمت سيبقيها مخفيّة إلى الأبد.
وحين بدأت أمّي تتوسّل، لم يكن توسّلها صراخًا، بل محاولة يائسة لتبرير ما لا يمكن تبريره. قالت إنّها كانت تريد الخير، وإنّ أختها كانت تمرّ بظروف صعبة، وإنّني ما زلت شابّة وقادرة على “التحمّل”. كانت تلك الكلمة هي الأكثر قسوة: التحمّل. كأنّ الحياة اختبار صبر لا حقّ كرامة، وكأنّ الألم يصبح مقبولًا إذا كان الضحيّة أضعف أو أصغر أو أقلّ صوتًا.
نظر إليها جدّي نظرةً لم أرها من قبل، نظرة رجلٍ أدرك متأخرًا أنّ السكوت قد يكون مشاركة غير مباشرة في الظلم. وقال بهدوءٍ قاطع:
«التحمّل ليس حياة. والسكوت عن الخطأ ليس رحمة.»
⬅️ باقي القصة في الصفحة التالية (رقم 2)…

تعليقات