قفزت في النهر لتنقذ توأمين… وبعد أسابيع عاد رجلٌ غيّر حياتها للأبد!
واجهتْ بشجاعةٍ النهرَ الهائج لتنقذ طفلين، دون أن تدري أن فعلتها تلك ستُغيّر مصير دوقٍ بأكمله.
كانت الأمطار تضرب جبال ميتشواكان في ربيع عام 1844 كأن السماء تريد أن تشقّ الأرض نصفين. ظلّت تهطل خمسة أيامٍ بلا انقطاع، وكان نهر دويرو قد فاض في الليلة السابقة، فاقتلع الأسوار والأشجار وقطعًا كاملة من الطين.
وقفت غراسييلا هيريرا، ذات الستة والعشرين عامًا، في الرواق الصغير لمنزلها الحجري، تراقب كيف كان الماء الداكن يزحف فوق المرعى. كانت تحمل في ذراعيها كيسًا من الدقيق، غير أن ذهنها كان معلّقًا
بالجسر الخشبي الذي يصل مزرعتها بالطريق الملكي.
أتعبره قبل أن ينهار؟
خلال الأشهر الثمانية الماضية، منذ أن دفنت زوجها ماتيو، تعلّمت أن تتخذ قراراتها وحدها وبسرعة. لم يعد هناك من يفعل ذلك عنها.
ثم سمعته.
صوت تكسّرٍ عنيف. خشبٌ ينشطر. دويٌّ أجوف هائل.
ألقت غراسييلا الكيس وركضت نحو السياج. كان الجسر قد انهار… وبين الألواح التي جرفها التيار كانت عربةٌ مقلوبة عالقة. كانت المياه تضربها بعنف، تدفعها نحو منعطف النهر. ومن هناك، تحت صفير الريح وضربات المطر، وصلها صوتٌ ضعيف، لكنه لا يخطئ:
بكاء رضيع.
لم تفكر. نزلت إلى المرعى المغمور وقد بلغ الماء كاحليها، تنزلق في الوحل. عضّها البرد حتى العظام حين توغلت أكثر. كان التيار يشدّ أطراف ثوبها وساقيها وأنفاسها. تمسّكت بجانب العربة ويداها ترتجفان، ونظرت إلى داخلها.
رضيعان ملفوفان في أغطيةٍ مبللة يبكيان في هلع داخل سلة. وإلى جانبهما رجلٌ فاقد الوعي، بجرحٍ عميق في جبينه ووجهٍ مغطّى بالدم.
ضمّت غراسييلا السلة إلى صدرها وشقّت طريق العودة خطوةً خطوة، فيما ارتفع بكاء الطفلين مع الحركة. تعثرت مرة وكادت تسقط، لكنها لم تسمح لنفسها أن تتركهما. وعندما بلغت الضفة، وضعت السلة بعيدًا عن الماء فوق عشبٍ أكثر ثباتًا.
كان الطفلان بأمان.
أما الرجل… فلا.
عادت إلى النهر. صرخت العربة صريرًا. انكسر جذعٌ كان يحجزها بصوتٍ جاف. كان النهر على وشك أن يبتلع كل شيء. توغلت أكثر حتى بلغها الماء إلى خصرها. أمسكت الرجل من ياقة معطفه وجذبت بقوةٍ أحرقت ذراعيها. انزلق الجسد وسقط في الماء، لكن ذلك أعانها؛ إذ طفا قليلًا بما يكفي لتسحبه.
خطوةً بعد خطوة. تتعثر. تلهث. دون أن تفلت قبضتها.
وحين شعرت أخيرًا بالعشب تحت حذائها، سحبته إلى الضفة قرب السلة. نظرت خلفها. انفلتت العربة واختفت في مجرى النهر، كما اختفى الحصانان والسائق، وقد ضاعوا إلى غير رجعة.
وهي ترتجف، غطّت الطفلين بشالها وراحت تجرّ الرجل إلى داخل البيت. لم يكونوا في مأمنٍ بعد، لكنهم كانوا أحياء. ولتلك الليلة، كان ذلك كافيًا.
ما إن دخلت حتى ضرب صدرها خاطرٌ قاسٍ: لا حليب لديها.
ليس حليب أم.
كان الرضيعان يرتجفان من الجوع والبرد. نزعت عنهما الأغطية المبللة، ولفّتهما بأقمشةٍ جافة، ووضعتهما في صندوقٍ خشبي قرب الموقد. كانا طفلين في نحو ستة أشهر، توأمين على الأرجح. لأحدهما علامة صغيرة خلف أذنه اليسرى.
نظرت إلى الرجل الممدد قرب النار.
— لعلّه أبوهما… — تمتمت.
ذهبت إلى الخزانة. دقيق، بيض، عسل. لا شيء يصلح لطفلين في مثل عمرهما. عندها تذكرت الماعز في الإسطبل… إن كان الإسطبل ما يزال قائمًا.
خرجت تحت المطر، وحلبت بيديها المتجمدتين، ثم عادت بإناءٍ من اللبن الدافئ. سخّنته قليلًا، جرّبت حرارته على معصمها، ثم راحت تسقي الطفلين بملعقة صغيرة قطرةً قطرة. في البداية ازداد بكاؤهما. ثم بدأ أحدهما يمصّ بنهم، فتبعه الآخر. شيئًا فشيئًا، خفت البكاء إلى أنينٍ متعب، ثم ناما.
تنفست غراسييلا للمرة الأولى منذ ساعات.
ثم نظرت إلى الرجل. ما يزال فاقد الوعي. تنفّسه قصير متقطع. وحين لمست جبينه شعرت بحرارة الحمى. نزعت عنه معطفه وقميصه المبللين لتقرّبه من النار. عندها رأت الكدمات الممتدة على صدره وأضلعه: لم تكن إصابات حادثٍ فحسب، بل آثار عراك.
نظفت جرح رأسه بالماء الساخن وقليلٍ من الكحول، وخاطته بإبرةٍ وخيط كما فعلت مرةً مع ماتيو بعد إصابةٍ بمنجل. مات ماتيو لاحقًا، لكن ليس بسبب تلك الإصابة. شدّها ذلك الذكرى من حلقها، ومع ذلك تابعت عملها.
وحين انتهت، جلست على الأرض بين الطفلين النائمين والرجل المضمّد، ويداها ترتجفان من الإعياء.
كان البيت ساكنًا، إلا من صوت المطر على السقف.
دخل ثلاثة غرباء حياتها في مساءٍ واحد.
وكان في صدرها إحساسٌ خفيٌّ بأن شيئًا عظيمًا قد بدأ… وأن حياتها لن تعود كما كانت أبدًا.
استيقظ الرجل في منتصف الليل متأوهًا. انتفضت غراسييلا من الكرسي قرب الموقد. كان أحد الطفلين نائمًا في حجرها، والآخر في الصندوق.
— لا تتحرك — قالت بحزم عندما رأته يحاول النهوض — أنت مصاب.
نظر إليها مشوشًا، بعينين داكنتين تكادان تسودّان في ضوء النار.
— أين…؟
— في بيتي. سقطت العربة في النهر. أنا من أخرجك.
استغرق لحظة ليفهم. اتسعت عيناه فجأة.
— والأطفال؟
حاول النهوض مجددًا. ضغطته غراسييلا إلى الأسفل بسلطةٍ مفاجئة.
— إنهما على قيد الحياة. نائمان. إن أصريت على التظاهر بالشجاعة، ستفتح جرحك.
كان الخوف في وجه الرجل حقيقيًا إلى حدّ لا يسمح بالتمثيل. استرخى أخيرًا قليلًا.
— من أنتِ؟ — سأل.
— غراسييلا هيريرا. هذه المزرعة لي. وأنت؟
صمت قصير أكثر مما ينبغي.
— إنريكي باريرا.
كذب. عرفت غراسييلا ذلك في اللحظة التي خرج فيها الاسم من فمه. طريقته في الكلام، جودة حذائه، قماش معطفه، الشعار المطرّز على كُمّه… لم يكن ذلك الرجل باريرا عابر سبيل.
لم تعترض.
— هل هاجموك؟ — سألت.
أغلق عينيه. لم يكن الألم في ملامحه جسديًا فقط.
⬅️ باقي القصة في الصفحة التالية (رقم 2)…

تعليقات